"اصرخي يا أرضاً حبيبة!" بهذه العبارة توج عزرئيل كارليباخ رئيس تحرير جريدة "معاريف"، حديثه مع ابنته الصغرى ونشره في "معاريف" وفيه حدثها عن سلب أراضي العرب في الجليل في تلك الأيام، وطلب إليها أن تصحبه إلى الجليل كي ترى كيف ينظم موظفو الحكومة السلب. كيلا تسأليني متألمة غضبانة: أبتاه! أأنت الذي فعل ذلك؟
ولكنه يسترد صوابه فلا يأخذها معه كيلا ترى ما قد يراه هناك ولا تقول: "إني أرى هناك موظفاً من حاشية ملكات إسبانية جالساً يكتب على رقعة: (أملاككم مصادرة لصالح الدولة، بجريرة أن آبائي لم يؤمنوا برب العدالة المصلوب الذي تؤمن به الملكة إيزابيلا)، وأرى هناك كاتباً من كتبة الألمان يكتب ويوقع فتصادر جميع أملاك اليهودي وفقاً للقانون وبموجب قانون تملك أملاك غير الآريين".
ويشق على نفسه المستقبل الذي ينتظر ابنته فيقول لها: "من سيدفع لقاء ذلك؟ لا أعرف كيف، ولا أعرف متى وكم... إن عاجلاً أو آجلاً التخمين صعب. فهذا الشرق نائم وسينهض فجأة ولكنه مهما يكن من أمر فسينهض ولزام عليه أن ينتقم". وفي عالمنا تعويضات. هناك شعوب ستضطر عندما يئون الأوان، وقد قلت موازينها وتلطخت راحاتها، إلى الاعتراف وإلى الدفع... وسيضطر وزراء إلى توقيع معاهدات وجهاراً يقولون فيها: "أثمنا وأخطأنا وهذه كفارتنا". ونحن على كل حال نؤمن أننا الشعب الذي أنجب تحت هذه السماء فكرة هي أن مصير دولة ما ليس إلا في عدالتها وأنه حسب عدالتها وبقدر ما فيها من عدالة وقانون تزدهر أو تندرس.... فانصتي يا ابنتي واسمعي بلادنا الحبيبة تصيح فقومي واكبري وأصلحي الغبن، حتى تسكني صراخها.
ومع مرور الأيام كفت صفحات هذه الجريدة عن حمل مثل هذه الكلمات، والغبن الذي ما زال قائماً لم يصلح بل تضاعف وتثالث. وتطور السلب فصار يتم بعشرات الأساليب. أما الأرض فما كفت عن الضجيج. وكان ثمة من اعتقد أن السالب لا بد وأن تشبع نهمه تلك المساحات الشاسعة التي في حيازته. ولكن أخطأ من ظن ذلك. فما شبع السالب، وامتد طمعه حتى إلى تلك البقية التي بقيت بعد كل سلب.. وطالب المسلوبون بإبطال سيئات الأحكام. والطيبون من أبناء شعبي وقفوا إلى يمين المسلوبين، وطلبوا إلى الحكام أن يعودوا إلى صوابهم فحاولوا توجيه الكلام إلى العقل والمنطق.
ولكن صفحات صحيفة كارليباخ أغلقت في وجوههم مثل سائر الصحف. فلم ييأسوا ونشروا إعلاناً بأجرة، وعقدوا الاجتماعات واللقاءات في استنكار ما سمي في لغة القانون "مصادرة". أما المسلوب فلم يبق له إلا السلاح الوحيد، سلاح المظلومين الوحيد: الإضراب.. فأعلن الإضراب ليوم أسماه "يوم الأرض"، فاستشاطت السلطات غضباً عليه. فأسمى [العرب] بالسرطان في جسد الدولة، وخرج من مخازن الكراهية ما خرج. فلقد قررت السلطات أن لا بد من تحطيم المسلوبين واضطهادهم، وكل الجهاز جُرد لهذه المهمة.
واقتحمت الطوابير قرى الجليل والمثلث عشية يوم الأرض وفي صبيحته وفرض منع التجول على قرى الجليل وكان بوسعك أن تسمع كلمات "مالينكي" ضابط مجزرة كفر قاسم عن خارقي نظام منع التجول حتى أولئك الذين لا يعلمون عن صدوره: "لا شفقة.. ليرحمهم الله". ولقد فهمت هذه الكلمات تماماً مثلما فهمت في كفر قاسم.
ونحن الذين لسنا كبنت كارليباخ جئنا إلى الجليل..... يهود من قاصي البلاد انغمت قلوبهم، سمعنا تقارير وأقوالاً انغرزت في قلوبنا سكاكين، عن إطلاق النار على الأطفال والنوافذ والمنازل وعلى أطر السيارات وهي تنقل الجرحى وعلى الأطباء ممن خرقوا منع التجول وهرعوا ليسعفوا الجرحى. ورأينا المنازل وعليها الثقوب التي أحدثها الرصاص. وتحدثنا مع أقرباء القتلى، وسمعنا عن المعذبين في التوقيف من شاب يهودي هزه ما رأى.
قالوا لوجهاء عرابة: "كل كلب يمد برأسه من بيته ستطلق عليه النار". قالوا وفعلوا. فهنا القتل مسموح... ليس في رأس العين ولا في حي هتكفا أو أشدود.. والاحتجاج هنا بل الاحتجاج الصامت هو الكفر كل الكفر. أين يمكن أن نجد لذاك مثيلاً... أن نجد حرية كتلك، مجرد ضغطة على الزناد ولا وازع ولا مانع. ورصاص في الهواء ليقتل... وعلام الضمير والوازع... ألم يحصل قتلة كفر قاسم على عفو؟ ترى أنخيفهم غرامة "قرش شدمي" في 1956؟!
حقول الجليل الخضراء صارت جبهات. وكل من تحرك فيها كان هدفاً للرصاصة... ما دام المتحرك عربياً. ألم يعلموهم منذ بستان الأطفال "أحسن من في الأغيار (غير اليهود) القتيل"، فطبقوا القول بالفعل جاعلين من شجر الزيتون والمشمش متاريس لهم. ويقف أب ثاكل على مدخل منزله وإلى يمناه ولده، ليقول: "ضحّت هذه العائلة بأربعة من أبنائها في سبيل الأرض.... إنها أرض مجبولة بدم الأبناء ولذا فلا تقدر بثمن".
وقال الشباب في سخنين: "سرنا في الجنازة، وإن بكينا فيها فلم نبك إلا لأننا لسنا المحمولين على الأكف.. إنه لشرف أن يموت المرء فداء للأرض". وفكرت في تلك اللحظات بأولئك الذين ثقلت موازينهم، وتلطخت أيديهم، ولا يريدون الإقرار بالإثم.... وعميت عيونهم عن أن ترى الشرق المستيقظ والشرق المتقزز من أعمالهم. أما من يحبون البلاد ويسمعون صراخ بلادنا الحبيبة فقلقون على مصيرها إذ بقدر ما فيها من العدالة والقانون تزدهر أو تندرس.
«الأرض الأرض»
من مقررات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي
إن قرار حكومة إسرائيل بمصادرة 20 ألف دونم أخرى في الجليل، هو مدماك جديد في سياسة التمييز العنصري إزاء المواطنين العرب تلك السياسة الشوفينية المنافية للديموقراطية. إن بلاغات الحكومة وأبواقها تعلن بدون حياء، عن الأهداف الرجعية الكامنة وراء المصادرة والمتمثلة في تهويد الجليل، ومحو الطابع العربي عن الجليل، ومنع تزايد السكان العرب في الجليل! وما شابه من الأهداف العنصرية المنافية للقيم الإنسانية.
كما تحاول حكومة إسرائيل تضليل الجماهير اليهودية باختلاق ما تسميه "خطر فصل الجليل!" كي تبرر استمرارها في تنفيذ سياستها الرامية إلى "سلب أراضي المواطنين العرب"! فبواسطة قوانين خاصة وباستخدام قوانين الطوارئ الإنجليزية الاستعمارية وبشتى السبل والوسائل الأخرى تم اغتصاب أكثر من نصف أراضي المواطنين العرب في الجليل.
والآن وبالإضافة لكل ما صادرته الحكومة من أراضي الجليل بغية تهويده، تمعن في مخططاتها الرامية إلى مصادرة مليون ونصف المليون دونم من أراضي العرب في النقب كما تهدد بنهب جديد لأراضي قرية كفر قاسم في المثلث وفي أماكن أخرى. من هنا تنبع شرعية المقاومة التي تبديها الجماهير العربية ضد إجراءات المصادرة الجديدة.
إن قرار اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي العربية وقرار رؤساء المجالس المحلية العربية الداعي إلى جعل يوم الثلاثين من آذار موعداً للإضراب العام الاحتجاجي على مصادرة الأراضي، هو قرار سليم يستحق كل الدعم والتأييد من كافة القوى الديمقراطية وأنصار الحق والعدل والسلام. إن اللجنة المركزية تستنكر الحملة الإرهابية والضغوط التي تمارسها السلطات بغية منع المواطنين العرب من التعبير عن احتجاجهم بالطرق القانونية والمشروعة.
إن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي تناشد كل القوى المحبة للسلام والديمقراطية والأحرار وأصحاب الضمير في الوسط اليهودي أن يساهموا في عملية الاحتجاج يوم الثلاثين من آذار، وأن يطالبوا بإلغاء مصادرة أراضي السكان العرب. وليكن نضالنا مستمراً من أجل الحق والعدل والمساواة.
قرى الجليل تودع شهداءها الذين سقطوا دفاعاً عن عروبة الأرض في الثلاثين من آذار 1976
شهداء يوم الأرض:
- خير محمد ياسين - عرابة.
- رجا حسين أبو ريا - سخنين.
- خضر عبد خلايلة - سخنين.
- خديجة شواهنة - سخنين.
- محسن يوسف طه - كفر كنا.
- رأفت زهيري - نور شمس (استشهد في الطيبة).
نحني هاماتنا إجلالاً لذكرى شهداء "يوم الأرض"، الذين سقطوا دفاعاً عن حقوق العرب المستباحة في هذه البلاد، وتلبية لنداء الأرض الباكية على أصحابها، ونشارك أهلهم وذويهم بمصابهم الأليم.
(اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي)
لقد سقطوا في ريعان الشباب دون ذنب اقترفوه! إن أصحاب الضمائر من أبناء شعبي يطالبون بلجنة تحقيق. لقد عانقوا ثرى بلادهم وتغمدت الأرض أشلاءهم الطاهرة، فالأرض أمهم والأرض هويتهم.
دوي زخات الرصاص يمزق أكباد السماء في مدن نابلس وجنين والخليل وطولكرم، والطلقات الإنذارية! التي تطلقها الدوريات الإسرائيلية باتجاه الجماهير الزاحفة تحصد العزل وتروي الأرض الظمأى بالدماء الزكية. آلاف مؤلفة من أبناء هذا الشعب الصامد يشيعون الشهداء إلى مثواهم الأخير... والعيون المشتعلة بنيران الغضب الساطع تفيض حباً للوطن وللإنسان وتنظر بازدراء تام نحو كتل الفولاذ الباردة وزخات الرصاص.
إنه جبروت شعب مارد الجبروت، بدأ يستيقظ تحت سماء الشرق فلو نحن أعدنا إليه حقوقه المسلوبة لحفظ لنا حقنا في الحياة معه جنباً إلى جنب. ولكن الذين لا يبصرون نور الفجر لعمى أبصارهم قوم مكابرون والويل كل الويل لمن يحاول إيقاف عجلة التاريخ!.




