كتب وفصول عن يوم الأرض

مأثرة يوم الأرض

عمر السعدي

أحدث المواد

المقدمة

تنصب جهود جماهيرنا العربية، في هذه الايام لأحياء الذكرى المجيدة الـ 34 ليوم الأرض الخالد. وقد اعتدنا كما في كل سنة، وعشية أحياء الذكرى أن تطل علينا مختلف الصحف بزخم المقالات وغزارة التحليلات. وفي معظمها محاولات تغييب دور الحزب الرائد في هذا الشأن وفي هذه السنة كما في سابقاتها تطالعنا تلك الصحف بمقالاتها لكتاب مختلفين وعديدين، فمنها الغث ومنها السمين منها الجوفاء الضحلة التي تنضح بالإسفاف والمزايدات، ومنها الواقعية والموضوعية، تختلف تلك المقالات وتتباين باختلاف الأمزجة السياسية والانتماءات الحزبية، منها الباعث على التفاؤل ومنها البائس الباعث على اليأس والتشاؤم.

شاء القدر أن أكون من رعيل آذار 76، كما شاء الحظ أن أكون من سكان احدى قرى يوم الأرض، الأمر الذي مكنني ورفاقي في عرابة وسخنين ودير حنا ان نقدم قسطا وافرا من طاقاتنا مساهمة لإنجاح يوم الارض الخالد الأول، ولإنجاح الذكرى من كل سنة ايفاء منا للعهد الذي الينا على انفسنا وقطعناه لتخليد ذكرى شهداء يوم الأرض، أحيينا الذكرى الـ 31 ليوم الأرض الخالد باعتزاز وفخر وباحتفال مهيب تكريما للحزب الشيوعي، والشخصيات اجتماعية وقيادات وطنية ورجال دين ورؤساء مجالس محلية جديرين لهذا الاحتفال وقفوا في الـ 25 آذار سنة 1976، وما قبله وقفة شجاعة، مشرفة، وقفوا بهامات مرفوعة متحدين غائلة البطش السلطوية لمساهمتهم بقسط وافر من طاقاتهم في صنع يوم الأرض الأول الخالد، متحدين كل غطرسات السلطات وأساليبها التعسفية فانبرت تلك الزمر من بعض ذووي النفوس الضعيفة وذوي الاقلام الرخيصة تشن حملة هوجاء على الحزب ومنظمي الاحتفال للإشهار دور أولئك الرجال الرائد والجريء في اجتماع الرؤساء من يوم ال25 من اذار 76، ولا يسعني بهذا الصدد الا ان احني هامتي بالمحتفى بهم اجلالا، ولشهدائنا الابرار اكبارا، الذين رووا الأرض بدمائهم، ليسطروا صفحات ناصعة من تاريخ شعب يكافح من اجل البقاء في وطنه على أرضه، ودفاعا عن كرامته.

انطوت 34 سنة على أحداث يوم الأرض المجيد الأول، ولم تستطع هذه الاعوام ان تطوي تلك الذكريات وتزيل تلك الصور التي نقشتها جماهير شعبنا من نساء، وشباب وشيوخ واطفال عندما هبوا بقضهم وقضيضهم ليصدوا بصدورهم واجسادهم اليات وجنود البطش، انطوت 34 سنة ولم تستطع قوى الظلم والظلام ان تنال من عزيمة هذه الجماهير او تطوي تلك الصفحات الناصعة الحافلة بدور حزبنا الشيوعي الذي سطره رفاقه في مثلث يوم الأرض في يوم الأرض الخالد ايفاء للواجب، واخلاصا للمبادئ السامية.

ونحن اليوم في غمرة الاستعدادات لإحياء الذكرى الـ 34 ليوم الأرض، فقد عادت بي الذاكرة لتوحي لي بان استذكر ذلك الماضي الحاضر في ذهني، لا لأجتر الكلام كما يفعل الآخرون بل لاستبيان الحقيقة ولإعطاء الفرصة للقارئ ان يستشفها بمفرده ليكشف الغث من السمين امام موجة التضليل التي يثيرها المغرضون عشية كل اذار وكان ذلك الحدث المجيد كان هبة شعبية عفوية في محاولة تضليلية رخيصة تستهدف طمس دور الحزب الرائد من خلال نشاط رفاقه الدؤوب المتواصل قبل وعشية وفي نفس ذلك اليوم المشهود محليا وقطريا، أكتب وادون بفخر واعتزاز انطباعاتي للإنسان والقارئ البسيط بأمانة واخلاص ما بعده اخلاص.

ان يوم الأرض هو حدث هام لم يأت تلقائيا وانا شاهد عيان لا بل مساهم جدي ورفاقي في صنع هذا اليوم و لتبيان دور كوكبة لا بأس بها من الشيوعيين الذين هم جزء لا يتجزأ من الحزب الشيوعي - جنود احتياط له متمرسين في النضال المجيد أولئك الرفاق ذوي الباعات الطويلة والسواعد القوية مثقلين حافلين في التضحيات، فمن الأهمية بمكان أن أأكد انهم هم الذين صبوا الدسم واعطوا الزخم ليوم الارض ولولاهم لظلت قرارات الهيئات العليا حبرا على الورق، كنا متيقنين من نجاح الاضراب في ذلك اليوم وكنا متيقنين من تجاهل وسائل الاعلام الإسرائيلية لهذا الحدث الهام كما تتجاهل الكثير من الأمور الحساسة والمهمة التي تخص جماهيرنا العربية فيفقد زخمه ويذوب دسمه، كان شأنهم في صنع الـ 30 من آذار سنة 1976 كبيرا ودورهم عظيما، قادوا المعركة النضالية لإنجاح ذلك الحدث بحكمة وروية.

اشهروه عاليا وفرضوا على وسائل الاعلام المحلية والعالمية أن تغطيه وتتناقله، كانت المهمة في تلك السنوات صعبة، وكانت المسؤولية كبيرة، تعاملوا مع الواقع بذكاء وحنكة، سادت قرانا في ذلك الوقت الفرقة، وعملت السلطة على تغذيتها، وانقسمت جماهيرنا على نفسها بسبب التنافس على العضوية في السلطات المحلية، وقد انتهزت السلطات هذه الفرقة، وتلك الانقسامات العائلية والحمائلية لتمرير مخططها في مصادرة 17 الف دونم من ارض المل، ظنا منها انها بهذه الوضعية السيئة من الانقسامات للجماهير تستطيع أن تنفذ مآربها، استغلت السلطات ضعف تمثيل الحزب الشيوعي والعناصر الوطنية بالعضوية في السلطات المحلية الثلاث استغلت الانتماءات السياسية الرؤساء السلطات المحلية في مثلث يوم الأرض في ذلك الوقت فليس سرا اذاما كشفنا أن تمثيل الحزب الشيوعي في المجلس المحلي في سخنين اقتصر على رفيق واحد، وهو فيصل ابو يونس عضوا واحدا من 11 عضوا في المجلس المحلي، وفي عرابة تمثلت الجبهة بـ 3 أعضاء من 9 اعضاء فضل نعامنة عمر سعدي خالد موسى بدارنة وغاب تمثيل الحزب الشيوعي في مجلس دير حنا المعين.

ابلغت السلطات المجالس المحلية بقرار وزير الدفاع في 5/2/76 عن اغلاق منطقة (9) حسب القاموس العسكري ارض المل وهي على علم ودراية بتلك الوضعية الهشة، فكانت تتوخى ان تهب رياح آذار كما تشتهي سفينة المصادرة، ارتأت هذه الكوكبة من الشيوعيين بادئ ذي بدء ان تضع نصب أعينها قضية وحدة الصف أولا، وسعت جاهدة لتعزيز هذه الوحدة، لنبذ الخلافات الانتخابية ووضعها في معزل خاص والانطلاق بوحدة متراصة لمواجهة اخطبوط المصادرة، فوضعت امام جماهير شعبنا في البطوف ان القضية قضية وطنيه فلا مكان للتنازع ولا للمماطلة او المساومة، سعت ونجحت في نبذ الاحقاد التي نشأت على خلفية انتخابات المجالس المحلية اصدرت المناشير واكدت على الخطر الداهم المصادرة الأرض انسجاما وتجسيدا لقرارات لجنة الدفاع عن الأرض القطرية والمؤسسات العليا، وأوضحت للجماهير ان السلطة تنوي مصادرة ارض المل تحت غطاء التطوير وهي تستغل فرقتنا، فما من سبيل الا بوحدة الصف وتعزيز هذه الوحدة، فقد أثمرت تلك الجهود فتجلت تلك الوحدة واول ما تجلت في مجلس عرابة المحلي، عندما وافق جميع اعضاء المجلس المحلي على اقتراح كتلة الجبهة الديموقراطية في المجلس المحلي بضرورة اعلان الاضراب انسجاما وتماشيا مع قرار اجتماع الهيئات الجماهيرية في الناصرة في يوم 6/3/76 احتجاجا على سياسة المصادرة للأراضي العربية بشكل عام.

كان دور عضوي المجلس المحلي الصديقين محمد عبري نصار وياسين ياسين رائدا في خلق تلك الوحدة، وكانت الخطوة التالية التي تجلت فيها هذه الوحدة في الاجتماع الذي عقد في مجلس سخنين المحلي فقد دعي اليه جميع اعضاء المجالس المحلية في القرى الثلاث بان فيه بون شاسع في القول والراي، فقد عرضت فيه 3 اقتراحات الاقتراح الأول قدمه رئيس مجلس عرابة المحلي السيد محمود نعامنة طرح فيه فكرة الاضراب وهي فكرة فرع الحزب الشيوعي وكامل اعضاء المجلس المحلي، الاقتراح الثاني قدمه السيد جمال طربيه رئيس مجلس سخنين المحلي، طرح فيه فكرة الاعتصام في ارض المل، والاقتراح الثالث قدمه السيد محمد نمر حسين رئيس مجلس دير حنا المعين، طرح فكرة الذهاب الى محكمة العدل الدولية، وبعد نقاش مستفيض وحاد ومضن، وبضغط من الفلاحين والجمهور المشارك في الاجتماع زالت الفرقة وغاب التباين وتقلصت الهوة، عادت وتجلت وحدة الصف بقبول الطرح الأول الذي قدمه السيد محمود نعامنة، ساد الارتياح في نفوس المشاركين وجرى التصافح بين جميع الفرقاء مؤكدين على تعزيز وحدة الصف التي تجلت بهذا الاجتماع فجن جنون السلطات، وراحت تبيت المؤامرات وتعمل من وراء الكواليس لإفشال تلك الوحدة عاد المجتمعون إلى قراهم وفي جعبتهم قرارا بالإضراب، تطورت الأمور واتسعت رقعة النضال لتشمل كل القرى العربية لا بل كل الجماهير العربية، وعندما ايقنت السلطات انها فشلت بتمرير مخططها، عندما انتفض رؤساء المجالس المحلية الثلاثة وساروا في طريق الكفاح طريق كل الهيئات الشعبية، ونصب أعينهم الاضراب حاولت السلطات وبخبث الالتفاف على ارادة الجماهير بدعوتها إلى اجتماع يوم 25/3/76 في مدينة شفاعمرو دعت اليه 45 رئيسا من بينهم عدد لا باس به من رؤساء الطائفة العربية الدرزية، بذريعة أنها تريد شرعية دمقراطية للإضراب، ظنا منها انها بهذا الاسلوب الرخيص تستطيع ان تسلب حق المواطنين الشرعي بإعلان الاضراب.

فكانت النتائج التي نعرفها بعد نقاش حاد وصاخب تخللته الشتائم والتجريح، رؤساء ونائب رئيس واحد مع الاضراب و37 رئيسا ضده، الأمر الذي حمل الرفيق توفيق زياد خالد الذكر ان يعتلي المنصة في ذلك الاجتماع ليصرخ في وجوه الرؤساء المتخاذلين الذين صوتوا ضد الاضراب ليقول مقولته الشهيرة "أنتم لا تساوون شيئا.. الشعب قرر الاضراب". خرج الرفاق الثلاثة خالدو الذكر الرفيق توفيق زياد والرفيق صليبا خميس والرفيق رمزي خوري والاستياء يغمر وجوههم، لا ابالغ إذا ما قلت كادت الدموع أن تطفر من عيني الرفيق توفيق زياد شفقا وحسرة على تلك القيادة المتخاذلة الخائنة لإرادة شعبها. اقتربت منه وساءلته ما بك يا رفيق؟ فرد بغضب وانفعال وباقتضاب، اولئك (الطرش).

كنت قد تسللت ودخلت قاعة الاجتماع عندما وقع الضابط (كاتسمان الضابط المسؤول عن مركز شفاعمرو) في خطا واحتسبني حارسا للرفيق توفيق زياد فكنت ورفاقي في قطاع البطوف وقطاع شفاعمرو نلم الماما كبيرا بما يدور من غليان بين جماهير هذين القطاعين فنقلت لثلاثتهم ان الجماهير في البطوف وفي منطقة شفاعمرو تغلي كالماء في المرجل هونت عليهم هول الصدمة، كان بعض قيادة المنطقتين الحزبيتين ينتظرون بفارغ الصبر في الخارج ومن بينهم الرفيق فضل نعامنة والرفيق عادل ابو الهيجا والرفيق توفيق كناعنه.

وعن الشبيبة الشيوعية محمد بركة والرفيق احمد حمدي والرفيق ماجد ابو يونس والرفيق عوني عباس والرفيق فيصل ابو يونس والرفيق احمد الحاج من كوكب ابو الهيجاء وغيرهم العشرات كان قد تسرب خبر نتائج التصويت في الاجتماع الى الخارج فما أن خرج الرؤساء وجدوا ذلك الحشد يقف لهم بالمرصاد فاندفعت الشرطة التي تواجدت في المكان لحمايتهم فانقضت على الحشد الذي تصدى للرؤساء المتخاذلين فنشب صدام قوي ما بين الحشد الشيوعي ورجال الشرطة المدججين بالسلاح والهراوات أوقع الصدام الجرحى من كلا الطرفين، شاهد الرفاق الثلاثة بأم اعينهم ذلك الغليان (وأول الغيث قطر) حمل ثلاثتهم انطباعاتهم مما سمعوه وما شاهدوه الأمر الذي عزز ورسخ موقف المكتب السياسي الذي كان يلتئم في حيفا لهذا الغرض بالذات، وينتظر عودة الرفاق الثلاثة بالإسراع في اتخاذ القرار بالإضراب سرعان ما انتشر خبر الصدام في الفروع كالنار بالهشيم جدير بالذكر انه ردا على موقف رئيس مجلس طمرة المحلي المتخاذل والشائن في ذلك الاجتماع اندلعت مظاهرة احتجاج غاضبة في طمرة بتنظيم الشبيبة الشيوعية بقيادة الرفيقة هالة ابو رومي احمد، انتهت بحرق سيارة الرئيس كما واندلعت مظاهرات الغضب الصاخبة في كل من سخنين وعرابة وشفاعمرو ودير حنا.

جاء يوم الـ 30 من آذار من سنة 1976 وكان شهرا حافلا بالنضالات والمظاهرات والاجتماعات التي من شانها تسييس الجماهير والشباب ونقلهم نقلة نوعية ولكي يكونوا على مستوى الاحداث. قدم فيه شعبنا 6 قرابين في ملحمته البطولية 3 شهداء من سخنين والشهيد الأول من عرابة، خير ياسين.

لقد قضاني الواجب واوحت لي احداث آذار ان انفض عن كاهلي غبار التواضع لأشيد بدور تلك الكوكبة في سخنين وفي دير حنا وفي عرابة، وفي شفاعمرو وفي طمرة، الذين كان لهم الدور الأكبر في اداء الواجب، اذ واصلوا الليل مع النهار لخلق جاهزية جماهيرية تتحمل الصدام مع السلطة، ولكن وللاسف الشديد وخلال 34 سنة عاش أكثرية هذه الكوكبة في ظلال التغييب، تحافظ على سطوعها بنفسها شامخة بعيدة عن الاضواء، بعيدة عن الاقلام، عاكفة في معاقلها لتؤدي واجبها.

لقد شغل افرادها مواقع حزبية تنظيمية هامة: ابراهيم شمشوم سكرتير فرع الحزب الشيوعي في عرابة وعضو لجنة منطقة الناصرة، الرفيق توفيق كناعنة سكرتير قطاع البطوف، وعضو لجنة منطقة الناصرة للحزب الشيوعي، فيصل ابو يونس سكرتير فرع الحزب الشيوعي في سخنين عضو لجنة منطقة وعضو مجلس محلي، سليمان جابر عساقلة عضو لجنة منطقة الناصرة، عادل ابو الهيجاء سكرتير فرع الحزب الشيوعي في طمرة، عضو لجنة منطقة، ماجد ابو يونس سكرتير قطاع الشبيبة الشيوعية في منطقة البطوف، حنيف زبيدات عضو سكرتارية فرع الحزب الشيوعي في سخنين، عمر السعدي عضو مجلس محلي عرابة وسكرتير منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية، احمد حمدي سكرتير قطاع شفاعمرو للشبيبة الشيوعية، عوني عباس عضو لجنة منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية، وغيرهم من الرفاق الذين ابلوا بلاء حسنا في صنع يوم الأرض الخالد.

اقدمت ودونت ما دونته من نزر يسير في هذه العجالة لأسباب عدة، لرغبة في نفسي ان اجعل منها منفذا ينفذ منها واليها كل من يرغب ان يقف على حقيقة وحدوث يوم الأرض ثم لاساهم في تسجيل تاريخ وحقيقة دور الحزب الشيوعي الرائد في هذا المجال ولأضع الحقيقة كاملة امام الاجيال القادمة.

والجيل الصاعد الشاب المتغير الذي يبتعد مع مرور الزمن عن يوم الأرض وكثيرون هم المغرضون الذين يحاولون دائما تضليله، وبشتى الاساليب والافتراءات ولأضع حداً لمهاترات الأفاكين الذين لا ينفكون زرع الأوهام وكأن يوم الأرض جاء مجرد هبة شعبية عابرة لا قيادة لها، في حين خلت الساحة في تلك الحقبة من التنظيمات السياسية عدا الحزب الشيوعي الذي انفرد وحده في هذا المجال وبما انني لا استطيع بهذه العجالة ان اطرح كل ما تسنى لي وأملكه من حقائق، خالجتني فكرة ان ادون بما املكه من رغبة جامحة وذاكرة قوية كشاهد عيان لعلي استطيع أن أفي الموضوع حقه في سلسلة مقالات بشكل حكايات.

اربعة ايام هزت الدولة

يوم الـ 29 من آذار

كانت الساعة تقارب الخامسة من يوم الـ 29/3/1976 خرجنا مجموعة من الرفاق من نادي الحزب الشيوعي في القرية، وصلنا إلى ساحة الزاوية في مركز البلد عرابة، ننتظر قرار لجنة الدفاع عن الأرض المحلية، كانت الشمس ترسل بأشعتها الذهبية نحو البحر، وفي طريقها الى الغروب. كان الطقس في ذلك اليوم ربيعيا ورائحة ازهار الربيع والبراعم المتفتحة المنبعثة من الحواكير القريبة تعبق أجواء المكان، وكانت تلك النسمات اللاذعة اللطيفة تلفح وجوهنا المتكدرة الغاضبة العابسة واعناقنا تشرئب نحو الغرب.

وقف الرفيق توفيق كناعنة قلقا ومتسائلا يتمتم كمن يحكي مع نفسه لماذا طال الاجتماع، ما لهم لم يخرجوا بعد؟ كانت تساؤلاته تنم عن نفاد صبره اذ عليه مهمة لا بد من تنفيذها قبل غروب الشمس، وما ان عبر توفيق كناعنة عن نفاد صبره اذ بالرفيق ابراهيم شمشوم برفقة الصديق احمد جربوني يطلان ثم يقتربان منا في طريقهما الى نادي الحزب الشيوعي المجاور لمكان تواجدنا اقتربا وقد علت وجهيهما علامات البؤس وعدم الرضى تعبر عن شيء غير طبيعي، ومع اقترابهما اندفعت نحوهما من بين تلك المجموعة من الرفاق والاصدقاء فبادرتهما بالسؤال ما الأمر، وكانت خطواتهما وئيدة متثاقلة فانتحيا بي جانبا وابلغاني بقرار لجنة الدفاع عن الأرض المحلية المهادن الذي لم يرق لهما، وهو "نعم" للإضراب مشروطا بان يكون اضرابا هادئا وسلميا، فلا مظاهرات مساء اليوم ولا تحرك غدا.

فتسرعت واقسمت امام الاثنين ابراهيم وأحمد أن لأحرقن الأرض تحت اقدام السلطة انفردت عن الاثنين وعرجت في طريقي على بيت الرفيق محمود بدارنه فوجدته والرفيق اسماعيل قراقره يتحرقان ويتوقدان حماسا واستعدادا.

كانت السلطات قد غالت بالتهديدات وبالغت بنشر قوات الجيش من على قمم الجبال والتلال المشرفة على القرية وفي ارض المل بكامل عدتها واسلحتها جرى تركيزها كأنها قادمة لاحتلال القرية، ارخى الليل سدوله و كانت في هذه اللحظات فرق من الجنود تتمركز بين اشجار الزيتون على الشارع الرئيسي الذي يربط سخنين عرابة ديرحنا، تنتظر حلول الظلام كي تتسلل الى القرية والانقضاض على جماهير عرابة لكسر صمودهم وشوكة كفاحهم، كانت عرابة مستهدفة في ذلك الوقت لنشاط مجلسها المحلي وفاعلية رفاق الحزب وتحركاتهم في هذا المضمار كانت هواجس الناس وتقديراتهم وتخميناتهم حول نوايا السلطات كثيرة، وما كانت تضمره وتبيته لأهالي عرابة بالذات أكيدة، وتحسست الجماهير في تلك الليلة ولم يخب احساسها فكانت صحيحة.

تزامن وصول الرفاق الثلاثة محمود بدارنة واسماعيل قراقرة وعمر السعدي بوصول ثلاثة فتيان هائمين دفعهم حب الاستطلاع الشبابي الى هناك. كانت قد خلت المنطقة من الناس والمارة لحساسية الوضع والموقع، الا من شخص واحد يمت لمحمود بدارنة بصلة القرابة وكان قد انيطت به مهمة طرد كل من تواجد، إما حرصا على سلامة الناس أو استفزازا لهم. وبسبب سلوكه المستهجن نشبت مشادة كلامية ما بين ذلك الرجل ومحمود بدارنة. غادر بعدها الرجل المكان لحظات اختلي محمود بدارنة مع اثنين من الفتيان اما الثالث فقد غادر.

وشاءت الصدف في هذه اللحظات ان يصل إلى المكان وعن طريق حي الجلمي عدد من اتراب سليمان نمر نعامنة واسماعيل شحادة نعامنة ذينك الصبيين اللذين انفرد بهما محمود بدارنة واوعز لهما بالهتاف مع وصول الاتراب اندفع الشابان بالهتاف واخذت حناجرهم تصدح "ليطلق سراح فضل نعامنة، بالروح بالدم نفديك يا جليل". كانت السلطات قد اعتقلت احترازا الرفيق فضل نعامنة فجر يوم 29/3/1976، ظنا منها انها تستطيع اخماد لهيب جماهير عرابة الذي استعر بالإصرار على تنفيذ الاضراب. انطلقت هذه المجموعة من الفتية والشباب بهتافاتها الحماسية لتهز الأرض وتخترق السماء والاجواء، قطعت في مسيرتها حي الجلمة أخذت جموع الشبان تنضم زرافات ووحدانا إلى هذه المجموعة، وهتافاتهم تخترق عنان السماء بالروح بالدم نفديك تارة فضل نعامنة وتارة ارض المل لتلتحم بمجموعة من اعضاء الشبيبة الشيوعية كانت قد هيأت نفسها لتنظيم مسيرة في القرية بقيادة الرفيق كمال محمد نعامنة جراد سكرتير فرع الشبيبة الشيوعية. فاختلط هتاف المتظاهرين بجلجلة الرفيق توفيق كناعنة في نفس الحي لتواصل المسيرة طريقها لتقطع حي النعامنة ثم حي القراقرة، ثم حي الخطباء ثم حي الكناعنة لتدور من باب الزاوية وتلتقي في حي البدارنة ثم حي نصار ياسين لتشكل اعظم واضخم مسيرة شبابية انتهت عند محطة سونول في عرابة في الطرف الغربي من القرية يفصلها عن الشارع الرئيسي حوالي 300 مترا.

وما ان توقفت هناك اذ بالذي كان متوقعا قد حدث فصدقت هواجس الاهالي وتخميناتهم، وكان الظلام قد خيم على القرية، سارعت مجموعة من الجنود كانت قد استترت بين اشجار الزيتون المحاذية للشارع فانقضت على الجمهور وامطرتهم بوابل من الرصاص فجرحت العشرات كانت جراح الشاب اسماعيل شحادة نعامنة جراحا خطيرة نقل على أثرها إلى المستشفى.

وقع خبر سقوط الجرحى كالصاعقة على الناس عم القلق وطغا الغضب العارم وزادوا اصرارا على تنفيذ الاضراب في يوم الـ 30 من آذار، كان الجو مكفهرا في تلك الساعات من مساء يوم 29/3، وغيوم آذار الربيعية كانت سوداء داكنة، تلبدت في سماء عرابة، روافد الناس اخذت تنساب في شوارع القرية لتصب في تلك الساعات في مركز القرية حيث باب الزاوية، لتكون بحرا هائجا مائجا من البشر. لم ينته ذلك الاعتداء الآثم عند ذلك العدد من الجرحى في يوم 29/3 عشية الاضراب، فإمعانا في الاعتداء وبغية الانتقام، وتلقين الناس درسا في "المواطنة الصالحة"، ولتحطيم العزائم النضالية المتعالية واصل أولئك الجنود تقدمهم نحو مركز القرية وهم يطلقون الرصاص الحي بشكل عشوائي مع إطلاق الصرخات الجنونية والصيحات الارهابية، والشتائم البذيئة، ظلوا على هذا الحال حتى وجدوا أنفسهم يغرقون في وسط ذلك البحر الهائج من الناس الذي كان ينتظرهم بشجاعة وإقدام. انقضوا عليه بالهراوات فتصدى لهم الناس وكان رد الفعل غاضبا فقد كالوا لهم الصاع صاعين، لم يقرأ أولئك الجنود تلك الديباجة التي سطرها الشعب في عرابة بأحرف من نار وكلمات من لهب، عندها فقط استجلوا من ذلك البركان المتفجر بحمم الغضب أن لا فائدة، حتى لو قاموا بارتكاب جريمة باستعمال السلاح والرصاص الحي. لقد كان رد الجمهور على المتطاولين بما يليق والحدث، فضلوا التراجع والانسحاب بالياتهم العسكرية المشوهة المهشمة مخلفين وراءهم حفنة من الجنود المشاة وسط ذلك الحشد المتراص الذي كان يطاردهم شامخا كالطود راسخا ليصد هجومهم الأرعن رسوخ جبل المقلس المطل على عرابة، غير آبهين بتلك الغطرسة وبتلك الصيحة الهستيرية، يدافعون عن كرامتهم رجالا ونساء مما اضطرهم بعد تلك الوقفة الشعبية البطولية على مغادرة المكان في هرولة غير عسكرية وفي غير انتظام فتفرقوا أيدي سبا فتبعثروا في عدد من الازقة والشوارع.

استوقفتني ذاكرتي لتعود بي الى تلك الصور التي ارتسمت في ذهني من ذلك المشهد النسوي العظيم والمؤثر بأدائه وجوهره لتلك النخبة من النساء في حي الجلمة اللواتي قدمن عرضا رائعا في ذلك المشهد الكفاحي البطولي على مسرح التصدي بشجاعة ضد غطرسة اولئك الجنود المتطاولين وهن يحملن ما ملكت ايديهن من أدوات الزراعة من شواعيب ومذار وفؤوس ومناسيس وعصي يستعين بها على دحر الجنود الذين توغلوا في القرية جنبا الى جنب مع الشباب والرجال، اسعفتني ذاكرتي لأستذكر بعضهن تقديرا لدورهن الذي ادينه بشموخ وإباء الذي لا يقل فعله عن دور الشباب البطولي الذي لولاه لما جاء هذا اليوم المشهود بذلك الزخم وذلك الطعم بنكهته الكفاحية العذبة ليظل ناصعا في صفحات تاريخ شعبنا. استذكر منهن السيدة ندا مصطفى نعامنة، برفقة زوجها طيب الذكر حسن احمد نعامنة، والسيدة جميلة مصطفى نعامنة، والسيدة جميلة محمد شحادة نعامنة، والسيدة صبحية سعيد نعامنة، والسيدة سمية احمد نعامنة، والسيدة فتحية محمد سعدي "نعامنة"، والسيدة وفيقة محمد نعامنة سعدي"، والسيدة رسمية علي حسين نعامنة، والسيدة سميحة محمد نعامنة، والآنسة وجيهة (جميلة) محمد نعامنة، والآنسة لطفية مصطفى نعامنة، وغير من الكثيرات ممن لم تسعفني ذاكرتي في ذكر اسمائهن.

لاحق ذلك السيل الجارف من الناس أولئك المعتدين وبعد أن جرى كنسهم توقف ليشكل بحرا جديدا في ساحة المراح في حي البدارنة ليعطي صورا جديدة لمشاهد اخرى اعتلت البسمة وجوه الناس رغم ما كان يخالجها من قلق على مصير الجرحى. وقفت السيدة سمية عبد الرحيم خطيب وهي تولول، وتلطم بيديها على صدرها. كان الحزن باديا على وجهها وهي تطلق الكلمات بغصة المتألم ولوعة الحزين، شاء الحظ أن اقترب منها لتتهادى الى مسامعي تلك الكلمات التي لم ولن انساها، فقد سمعتها تردد:

يا غراب البين بالله عليك قلي قلي

شو عملوا هذول في ولدي وخلي

يا ناس لا تهابوهن يا حرية طلي طلي

ارض المل غالية حترجع لنا مية المية

ربما تكون تلك الاحداث المؤلمة التي شاهدتها أو سمعت عنها في ذلك اليوم تلك الأم، هي التي أوحت لها بتلك الكلمات البسيطة الناعمة المعبرة النابضة بالحزن التي كانت تنشدها وسط حشد من النساء كلمات حافلة بالمعنى، معبرة عن العزة والكرامة مفعمة بالأمل بتحرير الأرض ورجوعها لأصحابها، عاد الجمهور وترك ساحة المراح ليعود في تجمعه إلى ساحة باب الزاوية.

انسلخنا مجموعة من الشباب وزميلي عبد الرؤوف كناعنة عضو المجلس المحلي عن ذلك الحشد الذي غمرته الفرحة، لنسير شمالا نحو البركة وبعد مسافة ليست بعيدة عن موقع المراح، وعند مقبرة السعدية المسماة (روبين) ومن الطرف الغربي للشارع وداخل المقبرة انتصبت شجرة صنوبر شاهقة تظلل بيت السيد خالد موسى بدارنة انبعث من خلالها في تلك الاثناء صوت طائر البوم الذي يحلو له ان يختار المقابر اماكن يأوي اليها. انبعث الصوت بوتيرة متواصلة، وكأني به ينبه إلى شيء ما، ومن الطرف الشرقي للشارع كانت تصدر حركة غير عادية للخفافيش اثارت انتباهنا، تريثنا قليلا واذ بصوت ضعيف يصدر عن جنديين وقفا في زاوية نائية حوالي مترين عند باب غرفة مهجورة، اقتربنا من الصوت الذي يبغى النجدة لإنقاذهما من حمأة غضب الشباب الهادر الذي تناغم مع صوت طائر الشؤم فاصطحبنا الجنديين الى الشارع الرئيسي وقد كان الخوف والهلع باديا عليهما. ضلا الطريق اثناء تراجعهما بعد أن تبعثرت تلك المجموعة من المشاة وتحت ذلك الضوء الباهت شاهدنا شارات رتب عسكرية تزين كتفيهما بثلاث سبلات. كان علينا أن نرافقهما، واصلنا طريقنا في طريق البركة وكان واجبنا أن نحرسهما ونحافظ على حياتهما من حماة غضب الشباب الذين يرافقوننا، كانت المهمة صعبة للغاية في ردع هذا الفريق الهائج من الشباب الذي حاول جاهدا الاعتداء عليهما انتقاما وغيظا، ولكن الواجب الانساني وبعيدا عن غريزة الانتقام والاخذ بالثأر أملى على زميلي عبد الرؤوف وانا ان نحافظ على سلامتهما طالت المسافة التي قطعناها حتى نصل الى الشارع الرئيسي وطال الحديث معهما. شعرنا بالحقد يتصبب من داخلهما، رغم ما تحلينا به من انسانية، فلم يكن عندهما أذان صاغية. اتضحت لنا فيما بعد صحة التهديد الخطير الذي أطلقه أحد الضابطين وهو يغادر المكان ليلتحق بكتيبته سالما دون ان يمسه ضرر او سوء، اذ به يتهدد ويتوعد وينذر باستدعاء الفرقة رقم 6.

يعني ذلك انه ينطبق عليه ذلك المثل "جزاء سنمار" مع الملك النعمان او قول الشاعر "ومن يصنع المعروف مع غير اهله - يلاق الذي لاقي مجير ام عامر". غادر ذلك الضابط المكان متوعدا، ففي سياق حديثنا عرفته على هويتي السياسية بما فيها من مضامين في التأخي وحب السلام. اما نحن فمنا من عاد ادراجه ليبلغ الناس بما سمعه من تهديد، ومنا من أصر على البقاء متلافيا نقطة التماس مع الجنود لننتشر مع من انتشر من الشباب في تلك المنطقة التي غصت بهم راصدا او مترصدا في تلك الساعات وفي الهزيع الأول من الليل وفي غبش ذلك الظلام. احتضنت اشجار الزيتون بجذوعها الرومية الغليظة اولئك الشباب كالأم الرؤوم، لم يمض وقت طويل على مغادرة ذلك الضابط وفي غضون ربع ساعة، انطلق صوت هدير السيارات وقرقعة المجنزرات وهي تشق طريقها من أرض المل باتجاه القرية، وصلت القافلة العسكرية اطراف القرية وحطت هناك، انشطرت الى شطرين لتشكل شكلا هندسيا عبارة عن زاوية قائمة تحاصر بين ضلعيها كل من تواجد هناك، سطعت الاضواء الكاشفة بقوتها لتنصب على المنطقة وتحول الليل المدلهم الى نهار كانت اشجار الزيتون تقف منتصبة لكن في ذهول وشاخصة اخذت تلوح بأغصانها الخضراء، لم يجد ذلك التلويح نفعا، أشاح الجنود وجوههم واغمضوا أعينهم عما كانت تبغيه تلك الاغصان، دقت ساعة الصفر فانطلق الرصاص ينهمر برعونة وغزارة اشد من تلك التي انهمر فيها في الساعة السادسة مساء، طال الوقت وطال ترصد الجنود، ولم تهدأ العاصفة العاتية حتى اقتلعت بعتيها تلك الزهرة الخضراء الغضراء اليانعة الشاب خير ياسين، كانت الساعة تقارب الثامنة والنصف مساء.

ففي خضم هذه المعمعة وتحت الاضواء الكاشفة خطا خير ياسين خطواته العريضة الواسعة في الطريق يتقدم إلى الأمام نحو العبارة ظنا منه انه هو السباق، فمن داخل العبارة وعلى بعد أمتار من مكان تواجده انطلقت الرصاصة من أحد الجنود القناصة فكانت اسرع مما ظنه خير، فأصابته في كتفه في الجهة اليسرى لتستقر فوق قلبه، وقف خير ياسين في اللحظات الأولى شامخا منتصب القامة مرفوع الهامة مبتسما ضاحكا بسخرية لما جرى، ولم يدر أنها ستكون الضحكة الأخيرة ليدفع الدم يروي الارض عزيرا، انطلقت صرخة قوية تدوي شقت عنان السماء من الشاب سليمان محمد نعامنة الذي شاركه في تلك اللحظات التقدم، تنذر بإصابة خير ياسين، سرعان ما خر خير بجسده على الأرض ليقبلها وهو يفتديها يروي ترابها الطاهر بدمائه الزكية. تلك الصرخة القوية اعطت للرفيق غازي ياسين والشاب كمال السعدي الفرصة بان يتقدما نحو مكان سقوط خير في تلك اللحظات العصيبة لينقلاه الى المستشفى في نهاريا، وفي الطريق توقف قلبه الكبير عن الخفقان تسرب خبر سقوط خير للفيف من رفاق درب واصدقاء خير وفي حوالي الساعة العاشرة من تلك الليلة أعلن رسميا عن استشهاده. خير ياسين تلك الزهرة اليانعة التي ذبلت واغمضت عينيها في غير اوانها قطفتها يد آثمة لتحرمها الحياة خير ياسين سقط وهو في مقتبل العمر، خير المتواضع النشيط المفعم بالحيوية المتوقد حماسا، وسيم الطلعة ذلك الغرنوق العلي كما نعتته امه يوم استشهاده وهي تندب بحزن واسى وهي تذرف الدمع مغراقا سخيا ساخنا تردد الكلمات وتنوح بلوعة الثكلى وحسرة الام: "ويلي يا ويلي عهلغرنوقة يلي راحت، وجها احمر من البرقوقة".

انخرط في صفوف الشبيبة الشيوعية سنة 1972 اشتغل في فلاحة الأرض أكثر من انشغاله في الشبيبة الشيوعية، أحب الأرض كثيرا، دافع عن سلبها وهب نفسه لها أحبها فعانقته ثم احتضنته ووارته بترابها الطاهر ليكون الشهيد الأول الذي سقط سنة 1976. وليلتحق بإخوانه الثلاثة، خالد محمد ياسين وموفق محمد ياسين اللذين استشهدا سنة 1961 بانفجار لغم من مخلفات الجيش في ارض المل، وخليل محمد ياسين الذي لاقى حتفه في البطوف وهو يسوق تراكتورا.

استشهد خير ياسين ليلتحق بتلك الكوكبة من الشهداء من عرابة الذين سقطوا في ارض المل. كان آخرهم مأمون محمود نعامنة سنة 1975 والعاشر آخرهم خير محمد ياسين، من تلك القافلة الطويلة من الشهداء الذين سقطوا ورووا بدمائهم الزكية ارض المل من دير حنا وسخنين، بنفس الظروف والاسباب لتبق ذكراهم جميعا خالدة فالمجد والخلود لشهدائنا الابرار.

انتشر خبر اصابة خير ياسين بسرعة في مثلث يوم الأرض اخلى الجنود المكان وعادوا الى الوراء بعيدين عن نقطة التماس، يترقبون ويراقبون التطورات، عاد الحزن وخيم ثانية على عرابة ليزيدها حزنا وايلاما انتشرت الانباء ووصلت الى سخنين الصامدة الابية. وانتشرت بين أهلها شائعة مفادها سقوط 10 شهداء من عرابة في هذا الصدام.

هزت تلك الانباء الوطنيين من اهالي سخنين من الأعماق، دفعت ببعض لشباب أن يتجشموا الصعاب والمخاطر لاستحالة الوصول الى عرابة، يسبب الاغلاق والطوق العسكري الذي فرضه الجيش عليها، في تلك الساعات وصلت طلائع النجدة والتضامن من سخنين الى عرابه ومن قلب ذلك البحر الهائج من الناس في باب الزاوية وحوالي الساعة التاسعة مساء،

تقاذفت الامواج البشرية، الرفيق ماجد ابو يونس سكرتير قطاع البطوف للشبيبة الشيوعية والرفيق حنيف زبيدات، ليصلا الى مكان تواجدنا لفيف من الرفاق والاصدقاء وفي غمرة هذا الهيجان، تقدم الرفيق ماجد مني متسائلا عما يمكن فعله أو تقديمه في هذا الظرف العصيب، وذلك بحكم مسؤوليتي الحزبية سكرتيرا لمنطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية.

 فوجئت بظهوره في هذا الظرف وقد اغرورقت عيناي بالدموع تأثرا لهذا التفاني ولروح التضامن العالية، وذلك الحس الشيوعي الأصيل الوطني والشجاع هدأت انفعالاتي، وهدأ تأثري، عندها اجبته على تساؤلاته بجواب مقتضب وغامض قلت: "تعودنا يا رفيق ماجد ان يسد اهل سخنين الرياح عن عرابة في حالة غضبهم". وتوقفت عند هذا الحد من الجواب، وقد عولت في جوابي على ذكائه وخبرته، لم يتوان ماجد للحظات، ولم يتقاعس اذ غادر المكان في الحال ومن كان معه من

الشبان من سخنين كالجندي الذي تلقى امرا صارما من قائده، كان الوضع في سخنين حتى هذه الساعة هادنا، هدوء ما قبل العاصفة.

تحدث السيد جمال طربيه في الذكرى الـ 31 ليوم الأرض الخالد في حفل تكريم الشخصيات الوفية ورؤساء المجالس المحلية الذي نظمته الجبهة الدمقراطية في 25/3/07 في سخنين عن وقفتهم المشرقة والمشرفة والشجاعة في يوم 25/3/1976 في شفاعمرو فقال: عدت ليل 29/3/1976 من عكا الى سخنين برفقة السيد محمود نعامنة رئيس مجلس عرابة المحلي، والسيدين محمد عبري نصار وفضل نعامنة نائبي محمود نعامنة، من مهمة في عكا لإطلاق سراح فضل نعامنة الذي كانت السلطات قد اعتقلته اعتقالا احترازيا يوم 28/3/1976 ظنا منها لتحول دون انجاح الاضراب يوم الـ 30 من آذار. 

وعندما وصلنا الى مركز شرطة سيجف وجدنا الشارع مغلقا، ولكن أي اغلاق؟؟ فقد اغلق بالحجارة ولضخامة احجامها يعجز البلدوزر على نقلها أو تحريكها كيف تم ذلك لا أدري؟؟ اضطررنا الى ترك السيارة، وواصلنا طريقنا إلى

سخنين مشيا على الاقدام، بهذه الكلمات تحدث جمال طربيه واصفا الوضع. نعم عاد ماجد ابو يونس الى سخنين ولم يسد الرياح عن عرابة.

ولن يسدها.

وصل رئيس مجلس عرابة المحلي السيد محمود نعامنة ونائباه محمد عبري نصار وفضل نعامنة الى دار المجلس المحلي حوالي الساعة العاشرة ليلا، فوجدوا ان الجماهير قد انتقلت من باب الزاوية بقضها وقضيضها الى ساحة المجلس المحلي وساحة مضافة القبو في حي نصار ياسين، وقد بدا الحزن والأسى على وجوههم، فوقع خبر استشهاد الشاب خير ياسين وقع الصاعقة على نفوسهم، وكانت عرابة قد توشحت بالسواد حدادا على خير ياسين وهي تغلي كالمرجل، فقام رئيس المجلس المحلي وتكلم في الجمهور المتأثر والمتألم بتلك الكلمات المعبرة والمؤثرة،  والتي تليق بالحدث وناشد الجمهور بالمحافظة على وحدة الصف وباليقظة،  وعدم الانجرار وراء الاستفزازات ومحاولات الدس المغرضة التي تستهدف شق صفوفنا ومهمتنا الآن تنفيذ الاضراب يوم غد، وان غدا لناظره القريب، باتت عرابة ثكلى حزينة تلملم وتضمد جراحها.

تفرق الجمهور بعد مناشدة رئيس المجلس المحلي لهم، غادرنا المكان وكنا مجموعة من الرفاق اتذكر منهم الرفيق ابراهيم شمشوم، والرفيق توفيق كناعنة وحسين الحاج الصح فقد توجهنا من دار المجلس المحلي الى حي الجلمة لنتفقد الرفاق فيها واللقاء بهم، ولاتخاذ الخطوات اللازمة حول كيفية تشييع جثمان شهيد الارض وغيرها من الخطوات لإنجاح الاضراب، ومن اقتراحات الرفيق ابراهيم شمشوم سكرتير فرع الحزب عدم المبيت في البيوت من باب الحيطة واليقظة وهكذا كان.

استشهد خير ياسين شهيد يوم الأرض، وباتت عرابة حزينة ثكلى، اتشحت بالسواد حدادا وحزنا صمت رهيب خيم على القرية وباتت تترقب بقلوب فاجعة وبعيون دامعة ما تخبئه هذه الليلة ليوم غد، اذ لم تكتف السلطات بما ارتكبته من جريمة نكراء، وعلى أثر التداعيات التي جرت ليلة 29/3، اخذت السلطات تحاول بث الرعب والخوف في نفوس الاهالي،

 ازداد الوضع تفاقما تبارى المسؤولون في الحكومة من رئيسها ووزير دفاعها وقيادة الجيش والشرطة بإطلاق العبارات والخطابات والتصريحات التهديدية التي تستهدف تثبيط العزائم والنيل من صمودهم، في حين كانت التلال القريبة وقمم الجبال المحيطة بالقرية تعج بالجنود بالياتها المجنزرة العسكرية فأخذت وسائل الاعلام بكل ما اوتيت من قوة،

 وتقنية تنقل تلك التصريحات الاستفزازية الخطيرة والمثيرة، أصبح واضحا لنا، وجليا مما لا يقبل الشك او التأويل ان السلطات باتت تبيت نوايا خبيثة ضد الاهالي، وعرابة ظلت يا جبل ما يهزك ريح، تتويجا لتلك التصريحات،

 قامت فرقة من الجنود في منتصف ليلة الـ 31 من آذار، وحطت في الطريق الشمالي للقرية، على مساحة من الأرض، على تلك التي خر عليها الشهيد خير ياسين، ودماؤه الطاهرة لم تجف بعد، واحاطت المكان بسياج من الاسلاك الشائكة، وعدد من الخيام الخاصة لقادة الحملة من ضباط شرطة ومخابرات لكي يكون معتقلا لزج الاهالي

ومن ترغب وتريد حشرهم فيه عندما يحين الوقت للبطش والتنكيل كان من الطبيعي أن نتعامل مع هذا الوضع بعين ساهرة وثاقبة، كان من الضروري اخذ الحيطة لكل ما يجري وما يحدث على الساحتين السياسية والأرض، كنا على اتصال دائم نستجلي الوضع حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة لنفوت الفرصة على السلطات من تحقيق أهدافها ونواياها انصرفنا وافترقنا.

كانت هذه الليلة ليلة ظلماء، وليلة طويلة تساوي في طولها سنة كاملة.

شريط طويل من الهواجس والافكار انتابني صال وجال، ينتقل من محطة الى اخرى فيه من الهم ما يكفي ومن الغم ما يزري، عشت ساعات ما بين القلق الرهيب والارق المريب تسرق عيناي بين الفينه والأخرى غفوة هنا وغفوة من هناك، أمعائي تتصارع واحلام مزعجة حنظلية متعددة بتعدد الغفوات، كوابيس ثقيلة شعرت بالاختناق، عقارب الساعة تدور ببطء، ودقاتها في اذني تشبه اجراس كنائس في دقات حزن، أشعرتني أن الفجر قد تأخر في طلوعه بعد جهد جهيد" وبعد طول انتظار ونفاذ صبر ، انبلج الصبح ليبشر بقدوم ذلك النهار الجديد، تساءلت مع نفسي أي نهار يا ترى سيكون ؟ 

الجنود على اهبة الاستعداد، والوضع يوحي بان الخطر داهم لا محالة، تحركات الجنود بآلياتهم تواصلت طيلة الليلة، والطائرات المروحية تتحرك جيئة وإيابا، تخترق سماء القرية من جنوبها الى شمالها ومن شرقها الى غربها بصوتها

المزعج الذي يصم الآذان، اتسعت رقعة الضوء وانبلج النهار، استيقظ الطير قبل الانسان، اخذت العصافير والطيور المجاورة لي والقريبة مني تخرج من مراقدها، تتحرك من اجباب اشجار الزيتون الضخم واخذت تنتقل من غصن شجرة الى آخر بحرية وبلا قيد، تلطم بجناحيها في ساعات الصباح بصمت وبلا زقزقة او تغريد كأن من أوحى لها بمأتم.

بانت القرية وهي عازمة على الاضراب، عززت السلطات قواتها المرابطة على التلال والهضاب المحيطة بالقرية، 

الاضواء الكاشفة الساطعة القوية الموجهة نحو القرية تخترق الشوارع، حركة الفلاحين النشيطة في هذا الفصل انشلت في هذا اليوم، الحافلات لنقل العمال الى اماكن عملهم في المدن البعيدة تدخل القرية تصل الى ساحة المراح وباب الزاوية في خوف وارتياب، تعود ادراجها فارغة وتنوب خائبة.

من هناك وفي هذا الصباح من ذلك اليوم، يوم الـ 30 من آذار، كانت قطرات الندى تتساقط من اغصان شجرة الزيتون الباسقة المنتصبة القامة، كنقاط الدلف من بيت قديم في يوم ماطر لتغسل وجهي البائس الحزين، لتزيل عن كاهلي تلك الكوابيس المتجمعة، ولتخفف من تلك الاحلام البشعة المرة، أشعة الشمس تنبعث بهدوء، تتداخل وتتمازج بخيوطها لتطول اغصان الشجر لتزيدها نضارة ويناعة، لتبعث الدفء في جسدي من ذلك البرد الذي لسع جسدي وكحل عيني، نسمات

الربيع الناعمة تلسعني شيء يستفزني ويشدني للنهوض.

 استيقظت عرابة، في الساعة السادسة والنصف صباحا من يوم الـ 30 من آذار على صوت المجنزرات التي بدأت باقتحام أطراف القرية، حيث رابطت هناك ومن جميع الاتجاهات، لتوحي باقتراب ساعة الاجتياح والانقضاض على الاهالي العزل وهم في وداعتهم وفي مضاجعهم نياما، للبطش بهم واخذهم على حين غرة، تزامنت هذه التحركات المشبوهة

من الجنود، بذلك الزعيق المنبعث من مكبر الصوت من على سيارات الجيش والشرطة يبلغ بنعيقه بفرض أمر منع التجول، دخان الآليات اخذ يتصاعد مع صوت المجنزرات يعلو ويزداد ينذران بساعة الاجتياح التي دنت وحانت، صوت مكبر الصوت يزداد جنونا وهوسا صيحات الجنود الاستفزازية الهستيرية تتعالى وهم ينهرون الناس المتواجدين في

الساحات امام البيوت او الذين يطلون من شبابيك البيوت يترقبون ويراقبون في قلق مما يدور ويحدث، جو غير طبيعي يخبئ في طياته وثناياه شيئا مخيفا في هذه اللحظات العصيبة، والرهيبة وقفت مع ذاتي وقفة شيوعية اصيلة، وتساءلت ما الذي يجب ان افعله في هذا الوقت

الحرج؟ ثم ساءلت نفسي ثانية انت شيوعي؟ فأجبت نفسي بنعم فقلت اذن التقاعس جريمة السكوت جريمة، وخيانة لا تغتفر، وانا غارق في لجة هذه التساؤلات وفي تلك الاجابات شعرت بوخزة في داخلي وصوت من الاعماق يناديني نهضت كمن لسعه عقرب لا بد من الانطلاق قبل فوات الأوان حين لم يعد ينفع الندم، ومع نهوضي ارتسمت امام عيني صورة الشهيد خير ياسين، وهو يتحدى الخوف غير آبه بالموت، وهو يتقدم بإقدام حتى خر شهيدا بدافع من نفسه وفيا ، لمبادئه، المتحمس المخلص لشعبه والمتفاني لحزبه في سبيل اهله وشعبه، كانت قطرات الندى لا زالت تتساقط والطيور ترفرف وحدها واغصان الزيتون تذرف دموعها حزنا واشفاقا.

تناهى الى مسامعي صوت القنابل والمفرقعات من الجهة الشمالية من القرية، مشيت خببا في الشارع واخذت طريقي من باب بيت شقيقتي الرفيقة سهام عاصلة الذي يطل على الشارع، فلم يخب ظني فقد شاهدتني عند مروري فبحرقة وحنان الاخت دوى صوتها، تصرخ حرصا، وقلقا على سلامتي، هرعت وامسكت بأطرافي، وهي تتوسل عبثا للعدول عن

مواصلة سيري، تأثرت من موجة الارهاب التي بثها الجيش، فخالجها شيء من الخوف واصابها قليل من الرعب، استرسلت سهام بتوسلها والحاحها، اخذ الزمن يسير بسرعة وعقارب الساعة تدور بسرعة متناهية، لا وقت للجدل والتوسل لم تترك لي فرصة للإفلات، وصل زوجها الرفيق محمد صالح عاصلة (بطاطا واخواه محمود صالح عاصلة وقاسم صالح عاصلة وزوجتيهما سميرة يوسف نعامنة (عاصلة) واميرة يوسف نعامنة والام خديجة مصطفى عاصلة (نعامنة) لم يطل

حديثنا، ولم يكن حاجة للنقاش والاقناع كانوا في جاهزية للتفاني حتى الموت، انطلقنا جميعا من هناك وبقناعة انه لا بد من التحدي لا بد من كسر وخرق امر منع التجول قبل فوات الاوان "خذ الأمر بقوابله"، انطلقنا بحماس وقناعة، وكانت الساعة تقارب السادسة والنصف صباحا، اخذ الجنود يصرخون علينا وهم يهددوننا ليثنونا عن مهمتنا اخذت مجموعات من الشباب من حي نصار تنضم الينا وصلنا ساحة القبو مضافة آل ياسين، غير آبهين لتلك الصرخات الجنونية التي كانت تصدر من أفراد الشرطة والجيش المرابطين في الاماكن المرتفعة المشرفة على الطرقات والازقة، تزامن وصولنا بوصول مجموعة من الجنود مدججين بكامل ما تحتاج اليه اساليب القمع "أول الغيث قطر" ابتدأ الصدام، بانقضاضهم علينا في محاولة فاشلة لاعتقالنا، وبعد فشلهم في المحاولة، صبوا علينا نيرانهم المطاطية، فأغرقونا بها وبدون سابق انذار، افلتنا من ايديهم، الحواكير واسعة وقريبه فحمي الوطيس، فمن شدة المواجهة وشدة العنف، لجا البعض من النساء الى المسجد اتخذن منه ملاذا وحصنا ليقيهن شر الرصاص ومكانا يساهمن منه في التصدي، الشاب محمود صالح عاصلة واخوانه يتقنون فن الرماية لكن محمود يفوقهم في ذلك، فكان في هذه الحالة عندما احتدمت المعركة وبلغت اوجها كأني به "طير" أبابيل يرميهم بحجارة من سجيل"، وكان حظهم ليس بأفضل من جنود ابرهة الأشرم ، تحاشى الجنود استدراجهم وايقاعهم بالشرك فكانوا حريصين اشد الحرص من الوصول الى الازقة وافنية البيوت فأجزيناهم خيرا فقدمنا لهم وجبة فطور ساخنة

على طبق من الرمي بالحجارة، اضطر الجنود امام زخم المقاومة وشدتها الى التراجع الا جنديا ظن ان يجد في هذا الاعتداء فرصة للفوز

بغنيمة علها تمكنه من الحصول على مكافأة تزيده ارتقاء في رتبة عسكرية، فلاحق الرفيقة سهام التي لم تتنحى عن المواجهة ولم تدخل المسجد وانفردت تدافع من ساحة بيت خالد حسين بكرية القريب من المنطقة، وظنها لقمة سائغة لكونها امرأة، وفي مشهد مضحك، ومثير للسخرية تقدم منها الجندي شاهرا سلاحه على امل ان يدب الرعب فيها فتستسلم ليسهل عليه اعتقالها، وقفت سهام في هذه اللحظات شامخة كالطود لم تتخاذل، ولم تخنها شجاعتها، ترفض الاستسلام، فدار عراك بالأيدي بين الاثنين اسفر عن فشل الجندي بان يقوى عليها فباءت ظنونه بالفشل، فما كان منه وبعد أن جرب حظه الا ان ينسحب خالي الوفاض فوجدها عصية المنال، صلبة العود الذي لا يعجم فكان نصيبه منها "كمن يطلب الصيد في عرين الأسد " ولإخفاقه وجد ما يشفي غليله اذ تناول حذاءها الذي خلعته اثناء العراك ورمى به بعيدا ليتركها حافية القدمين، عاد الجندي ليبحث عن كتيبته، وعند عودته لم يفت الشباب من أن يدلو بدلاتهم اسوة بثلته جزاء على معروفه وصنعه ..

كان لهذا الصدام اهمية كبرى، وكان ضروريا في هذه الظروف وفي هذا الوقت من صباح يوم الـ 30 آذار، انتشر خبر هذه المواجهة ووصل الى الناس، وتناقلوه اندفع الشباب في الاحياء وكان الصدام الأول في هذا الصباح باكورة المواجهات التي تتالت، فيما بعد لتصبح الأحياء جميعها ساحات صدام، كان ضروريا لإفشال مخطط منع التجول ولتفويت الفرصة على الذين خططوا لهذا القرار من تحقيق ما كانوا يبغون ويعولون عليه من نتائج وأمال، بفرض واقع من الخنوع، وانتهاز فرصة للانتقام من كل المواطنين الذين ساهموا في التصدي لسياسة سلب الأرض ومصادرة ارض المل، الذين ساهموا في التصدي لإفشال مخطط السلطات يوم 29/3 وما سبقه، على أثر هذا الحدث البسيط
المتواضع المشرف الكبير الأهمية، خرج الشباب بعشراتهم لا بل بمئاتهم إلى الشارع، وشكلوا فرقا، فتتالت التحديات، واشتدت الصدامات وفشل امر منع التجول ولم يبق منه الا الزعيق الأجوف والنعيق البائس يدوى في واد سحيق.

 بهذا الحدث المشرف قد وفرنا على شبابنا خطورة الاعتقال والتنكيل بهم وتعذيبهم، وزجهم في غياهب السجون والمعتقلات، تلافينا ان نكون لقمة سائغة ولم نقع في فخ السلطات وشراكها ولم نكن فريسة سهلة، كتلك الحالة التي اصابت رفاقنا واصدقاءنا في سخنين ودير حنا حين التفت عليهم الشرطة، واقتحمت بيوتهم على حين غرة وفي غفلة من صباح يوم الـ 30 من آذار وهم نيام في مضاجعهم، عندما عزت عليهم اليقظة والحيطة لتفويت الفرصة على الشرطة التي لم تتورع في اطلاق الرصاص وايقاع عشرات الجرحى بينهم ، ونكلوا بهم اشد تنكيلا وحطموا عظامهم، واسالوا دماءهم وزجوا الكثيرين منهم في غياهب السجون والمعتقلات .

أسدل الستار من على مسرح الصدام في الجولة الأولى في ساحة "القبو" مضافة آل ياسين، وكان قد ابتدأ بالانقضاض على الشيخ خليل خالد صح عند دخوله المضافة، والشيخ أحمد سليم ياسين يصنع القهوة المرة.

واصلت طريقي إلى حي آل نعامنة، وكانت الساعة السابعة من صباح يوم الـ 30 من آذار، فوجدت نفسي في قبضة مجموعة من الجنود، في ظرف لم يكن لي فيه مفر ولا مناص، تلاقينا وجها لوجه، انقضوا علي كالوحوش الكاسرة الجائعة التي تنقض على فريستها، أيقنت أن الوقعة صعبة، فتحاشيا لغلظتهم، أسرعت في تقديم نفسي لقائد هذه المجموعة وكان يسير في طليعتهم وقلت: إني عضو في المجلس المحلي. وسرعان ما أحاطوا بي والتقوا من حولي بهراواتهم وغرزوا بنادقهم في جسمي.

أمرهم القائد بالابتعاد، وأوكل أمري لأربعة من جنوده، وأوصاهم باعتقالي ونقلي إلى معسكر الاعتقال الذي أقيم في منتصف ليل 29/3 في الطرف الشمالي من القرية، وتنفيذا لأمر الضابط، وتجسيدا لسياسة القهر والاذلال حاولوا تقييدي ووضع الأغلال بيدي، كنت أعي جيدا ما معنى ذلك، وأدرك من وما ينتظرني هناك، قاومت بكل ما أوتيت من قوة هذه المحاولة الهمجية، فدار عراك بيني وبينهم، فتجاوز أحدهم الحد وانهال علي بالضرب بعصاه على جسمي وأطرافي، واشتد العراك، واشتدت مقاومتي ورفضي دفاعا عن كرامتي، ففي هذه اللحظات الحرجة وفي هذا الظرف العصيب، جاءني الفرج من كوكبة من النساء اللواتي اندفعن من بيت كمال محمد نعامنة هو صهري المجاور لمكان العراك، اندفعن كاللبؤات يدافعن عن أشبالهن، فجن جنون زوجتي وهي تراهم ينقضون علي بوحشية، فهرعت في طليعتهم وألقت بنفسها بينهم وهي تصرخ في

وجوههم وتدين تصرفهم الهمجي، ففعلن ما فعلت، وهن جميلة مصطفى نعامنة وصبحية سعيد نعامنة وسمية احمد نعامنة ورسمية حسين نعامنة وشقيقتي فتحية محمد سعدي نعامنة وزوجتي وفيقة محمد نعامنة سعدي، كانت هذه المجموعة قد تجمعت بعد أن عدن من تقديم المساعدة للسيدة ندا مصطفى نعامنة وزوجها الشيخ حسن أحمد نعامنة اللذين تعرضا لاستفزاز من مجموعة أخرى من الجنود، كانت قد مرت في الشارع فهجموا عليهما في عقر دارهما مما أدى ذلك الاعتداء الآثم إلى كسر يد وشج رأس ذلك الشيخ الجليل، استطاعت هذه الكوكبة، وبما أبدته في هذا الصباح من بسالة لا تقل عنها في مساء 29/3 استطاعت أن ترفع الاعتداء علي، وتحول دون تقييدي واعتقالي، مما حدا بالشرطة للإذعان إلى طلبي ونقلي إلى دار المجلس المحلي،

 عندما هددت السيدة سمية أحمد نعامنة بصب النفط الذي كان بحوزتها عليهم وعلى مركبتهم، فجرى الاتفاق على نقلي إلى دار المجلس المحلي مشيا على الأقدام، وليس بالسيارة.

أدخلت إلى دار المجلس المحلي من قبل الجنود، وكوكبة النساء تصحبني، فوجئت بأن المجلس تحول إلى مركز اعتقال، وبوجود رئيس المجلس المحلي السيد محمود سعيد نعامنة، فاقترب مني مواسيا، وقد بدا شاحبا ومنفعلا، وبابتسامة صفراء باهتة تغمر وجهه وبغضب أخبرني أنه زج به منذ ساعات الصباح الباكر، فوجوده في المجلس المحلي ليس لأداء مهمته

وممارسة أعماله كرئيس للمجلس وإنما كمعتقل، إذ لم يتورعوا بغلظتهم من اعتقاله والاعتداء عليه رغم مكانته الاجتماعية، فوجدت نفسي شريكا له من حيث لا أدري تحت إشراف ضابط وشرطيين.

التهب الجو في القرية في هذه الساعة، وزاد الوضع توثرا بعد الصدام الأول، وتوالت الصدامات وتوالت المواجهات، استيقظ الشباب ونهضوا للدفاع عن كرامة قريتهم. فتوالت الاعتقالات لبعض الشباب الذين شبوا على الطوق ببسالة نادرة، وفي تحد لافت لأمر منع التجول، ففي غضون نصف ساعة بلغ عدد الذين سيقوا وحشروا في دار المجلس المحلي حتى الساعة السابعة من صباح يوم الـ 30 من آذار 13 شخصا، أذكر منهم إذا أسعفتني الذاكرة الشاب محمود نمر نصار والشاب سعيد مصطفى عبري نصار والشاب يوسف أحمد دراوشة والشاب علي سعود توفيق ياسين الذي جيء به مصابًا بجروح خطيرة في رأسه، وعمر يونس نصار ويوسف أحمد دراوشة ومحمد خطيب ورئيس المجلس وكاتب هذه السطور وآخرين، فكان لكل فرد منا حكايته، فقد تعددت الحكايات بتعدد الأفراد ولكن المضامين تشابهت. وفي هذا الجو المؤلم ساد الهرج والمرج، هذا يحكي حكايته بعزة وافتخار وذاك بحزن وآلام، دون أن ندري ما الذي تخبئه لنا الساعات الآتية، وفي خضم هذا المأزق سرحت أفكاري بعيدا، نظرت من حولي فوجدت نفسي أحمل مسؤولية كبيرة حملني إياها ضميري وحسي الشيوعي، وتوالت هواجسي ومخاوفي قلقا على مصيرنا، وما أوحت به حالة الشاب علي سعود ياسين الذي كان

يتمرغ بدمه بلا إسعاف، فتساءلت في نفسي ماذا سيحدث لنا يا ترى إذا ما سيق بنا إلى معسكر الاعتقال؟ كما توحي كل الدلائل والمؤشرات، وهل من المعقول أن نظل على هذا الوضع ونحن بهذا العدد كالخراف حشرت في حظيرة تنتظر جزارها؟ عادت بي الذاكرة إلى القصص التي قرأناها وتعلمناها حيث كان يجري فيها تمرد السجناء على جلاديهم، فأوحت لي الفكرة بأنه لا بد من النهوض والتمرد على السجان قبل فوات الأوان فنحن في وضع تحسد عليه، حيث كنا أكثر عددًا وأشد بأسا، والفرصة سائحة ومواتية استيقظت من غفلتي وعدت إلى صحوتي، بعد أن اختمرت الفكرة في داخلي وترسخت قناعتي بتنفيذها، عرضت فكرتي على رئيس المجلس المحلي أولا ثم كشفتها للآخرين، فلاقت ترحيبا كبيرا واستعدادا عظيما، عندها تقدمت من الضابط العاكف على حراستنا وأبلغته بأنه هو الآن رهن الاعتقال هو ومن معه، بعد أن أحاط كل أربعة أشخاص

منا بواحد منهم، فقلت له: أمامك خياران لا ثالث لهما، إما مغادرة المكان حالا وبأقصى السرعة، وإلا ..... فوقع عليه قولي وقع الصاعقة، وأصابه ارتباك، فأطرق رأسه للحظات ثم رفع عينيه وهز برأسه في إشارة، وهو لا ينبس ببنت شفة، أوحت لنا حركته أنه فضل الخيار الأول والأسهل، فقد لملم نفسه وأوراقه وتناول جعبته، وهو يتظاهر بالهدوء والرقة واللين

فطلب أن نمنحه فرصة الاتصال عبر الهاتف، فكان له ذلك، حمل نفسه وغادر المكان مع الشرطيين. كسرنا القيد ونجحت الفكرة وعمت الفرحة، وأصبحنا طلقاء، وعلت الضحكات وانطلق الشباب فرحين مسرورين لما كان يخالجهم من آلام وحزن، ليعود كل إلى حيه وموقعه وأموره. 

خرج الشاب محمود نمر نصار متحمسا ليدلي بدلوه في رجم الجنود بالحجارة ومما شاهده الشباب، فقد طارده أحد الضباط المعروفين للناس وظل يطارده حتى اختفى في حي الكناعنة.

تلكأ رئيس المجلس المحلي في الخروج وتباطاً، ودون أن ندري ماذا ينتظرنا وقفت في المجلس المحلي أنتظر خروجه في قلق شديد، وأنا على أحر من الجمر، وطال انتظاري ربما انتظرت دقائق أو ثواني لكني شعرت بها ساعات، وبينما أنا في هذا القلق الشديد، ها هي أحاسيسي تصدق، فوجئت بدخول ضابط مركز شرطة مسغاف كامل فارس إلى دار المجلس المحلي مقطب الجبين يندى جبينه حقدًا ورعونة، استل مسدسه، وبشكل مفاجئ أشهره نحوي وهو ينهرني ويطلب مني الخروج

والصعود إلى السيارة التي تقف خارج دار المجلس المحلي، كانت لحظات صعبة وحساسة، كنت فيها أمام خيارين خيار الذل والمهانة أو خيار العزة والكرامة، وكما قالوا: "عيشة الذل لا نرضى بها وجهنم بالعز أفضل منزل" و "المراجل" فطنة والشجاعة بنت ساعة، ابتسمت له ساخرا من تصرفه الأهوج، جاءتني الشجاعة ففضلت الخيار الثاني، جهنم بالعز

أفضل منزل، تظاهرت بالهدوء وعدم الانفعال، فاقترحت على الضابط أن يقبل نصيحتي في أن أبحث له عن مكان في جسمه يحشو مسدسه فيه فاجأه جوابي وأذهله، فزاده ذلك غيظا على غيظ وغلظة على غلظة، وبزعيق هستيري وكلام ناب، محاولاً النيل من صمودي، عاد وانتهرني ثانية فرددت عليه بضحكة ساخرة، وشر البلية ما يضحك، وبينما أنا في هذا المأزق خرج رئيس المجلس المحلي من غرفته صارخا في وجه الضابط، معلقا ومؤنبا له على تصرفه الأهوج، وهم ووقف بيننا ليحول

دون ارتكابه تصرفا أهوج، هدأ الضابط وتراجع عن حماقته وأعاد المسدس إلى غمده الحقيقي، وانسل خائبا يتوعد بالويل والثبور وهو يشعر بخسران مبين، عندها أدركت معنى استعمال ذلك الضابط للهاتف وأدركت سذاجتي، وما تظاهر به من رقة وصمت ولين لم يكن عبدا.

انسل ذلك الضابط من دار المجلس المحلي، وعاد بخفي حنين، خرجنا إلى باب الزاوية، فوجئنا رئيس المجلس المحلي وأنا بجنديين وقفا في الطرف الشمالي من باب الزاوية وهما يطلقان النار وبغزارة على بيت محمد مصطفى نعامنة، وبعد الاستفسار عن أسباب هذا الجنون وهذه الرعونة، تبين لنا أنهما تعرضا لوابل من زخات الحجارة، تكفلنا بسلامتهما، فغادرا المكان وانسحبا صاغرين أمام هجمات الشباب، أقلهما جيب عسكري ثم انطلق.

دخلنا البيت فوجدنا تلك الكوكبة من النساء التي أنقذتني في ساعات الصباح محاصرة وفي ذعر وهلع من غزارة الرصاص الذي أطلق عليهن، وقد أصيب البيت بأضرار مادية جسيمة وفادحة، وفي هذا الوقت انقضت مجموعة أخرى من الجنود على الشاب فهمي مصطفى نعامنة وقاموا باعتقاله.

الساعة الحادية عشرة صباحًا، جو من التمرد على قرار منع التجول قد ساد في جميع الأحياء، عاد رئيس المجلس المحلي إلى دار المجلس يزاول عمله ويتابع الأحداث، في هذه الساعة عدت بعد جولة موفقة في بعض من أحياء القرية القريبة من دار المجلس المحلي برفقة الشاب محمد الترك، وهو شاب طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية مفتول العضلات، وافق وصولنا قدوم سيارة جيب للشرطة اخترقت ساحة باب القبو وفرملت أمام باب المجلس المحلي، ترجل منها مجموعة

من أفراد الشرطة من مركز سيغف، كان في قيادتهم ضابط المخابرات المدعو "موشيه بسكا"، وكانت لنا معه نحن بعض من رفاق الحزب في عرابة الرفيق إبراهيم شمشوم والرفيق فضل نعامنة والرفيق توفيق كناعنة والرفيق عمر سعدي، حكايات طويلة ومؤلمة فيها الكثير من المعاناة، وقصص تفوق قصص صبر ومعاناة أيوب". فقد فرض علينا الانتظار الطويل، وحاول استفزازنا بشكل متكرر وغير ذلك من محاولات الإذلال والتشكيك بإخلاصنا ووفائنا لشعبنا، منذ فرض علينا أمر تحديد تنقلنا من عرابة إلى المدن الإسرائيلية إلا بتصريح منه، فقد كان هو الضابط المسؤول عن منح التصاريح في مركز شرطة سيغف، كان ذلك قرارا تعسفيا مشؤوما وكان يقضي بعدم مغادرة منطقة مثلث يوم الأرض إلا بتصريح، وتحديدًا من دير حنا شرقا إلى سخنين غربا، وقد فرض علينا منذ 1973، واستمر لغاية نهاية 1980، أما تحديد تنقلنا للضفة والقطاع فقد استمر لغاية نهاية 1985.

منذ اللحظة التي ترجل فيها هذا الضابط وزمرته أخذ يرمق الجمهور بنظرات شريرة تقدح شررًا، وأحيانا بنظرات فاحصة كمن يبحث عن ضالة، اقترب مني وهو على تلك الحال، وبعجرفته المعهودة وباستعلائه أشار على وهو ينتهرني أن أصعد إلى سيارة الجيب، وهو يمسك بهراوته ويلوح بها ظنا منه أنه يخيفني، وكأني به قد وجد ضالته.

رفضت الانصياع لأمره فطلب من مرافقيه تكسير رأسي، تلكا جنوده بتنفيذ الأمر خشية عاقبة رد فعل الجمهور، كانت مفاجأتي عظيمة وكانت سخريتي أعظم، كنت قد ظننت أن زخم الأحداث في عرابة في هذا الصباح وتداعياتها كافية بأن تسدل الستار على مهزلة اعتقالي وكان مرور ساعة من الزمن على المسرحية الأولى مع ضابط المركز كفيلة بأن يكفوا عن اعتقالي، ومن تلك السخرية أن أشاهد نفس العرض الذي شاهدته قبل ساعة، واستمع إلى نفس الحكاية تعود وتتكرر ثانية

ولكن على مسرح خارج دار المجلس المحلي وبشكل هزلي ضعيف وممل، ضحكت إشفاقا على هؤلاء السخفاء الانتقاميين، وفي هذه اللحظات يعود الحظ ليسعفني من حراجة الموقف، ارتقى الشاب محمد الترك بشجاعته المأثورة ليزداد طولاً على طول وشموخا على شموخ، فلم يترك مجالاً لذلك الضابط بأن ينفث سمومه أو يبق غيظه "فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب" إذ انهال وبسرعة البرق على السيارة بحجر كبير وضخم فحطم زجاجها الأمامي وحطم مقودها، تقزم الضابط وشلته من هول الصدمة التي أصابتهم، تغيرت نظراته وانقلبت إلى نظرات مسكين ضعيف تافه دب الرعب في نفسه عندما هرع عدد من الشباب وأحاطوه فعاد إلى الخلف يحمل معه خيبة جديدة أخرى، لا تقل عن تلك التي حملها الذين من قبله، فعاد خاسئا يجر أذيال الخيبة وراءه، فقلت إلى جهنم وبئس المصير.

الساعة الثانية عشرة ظهرا من الـ 30 من آذار، أخفق الجنود المشاة في مسعاهم ومهمتهم، فمر عليهم الشباب في الشوارع وكنسوهم، فكان لا بد للسلطات طالما النوايا انتقامية، أن يراودها أن تعيد حساباتها وتغير من استراتيجيتها لتستعيض عن المشاة بدوريات عسكرية مؤللة بالمجنزرات. تناغم صوت المؤذن وهو يرفع الأذان في غير موعده بصوت أجراس الكنيسة بدقاتها المميزة الحزينة تعبيرا عن وحدة الصف وإشهارا لحالة الحزن العميق الذي تعيشه القرية، فاتقدت المشاعر وثارت الدماء في العروق وجاشت الأحاسيس فهاج الشباب بعزائم أقوى مما كان حتى هذه الساعة، وخرجوا كالأسود المغيرة الجائعة تبحث لها عن فريسة.

غصت ساحة (القبو) بالناس المحتشدة جاءت تعلن تحديها، فمنهم من تساءل عن موعد تشييع جثمان الشهيد خير ياسين، ومنهم من جاء يتحدى ويقاوم نهض الشباب في حي وادي العين واشتدت المقاومة، تصاعدت ألسنة اللهب وتصاعد الدخان الكثيف، فكون سحابة سوداء في سماء الحي، رائحة الدخان السميك المنبعث من الإطارات تبعث على الاختناق، الشرطة تلاحق الشباب وتحاول إلقاء القبض عليهم أو تفريقهم الشاب محمود نمر نصار الذي كان قد اعتقل في ساعات الصباح الباكر وأطلق سراحه وعارف ذياب نصار ومحمد مصطفى النحلة وخالد أبو حامد نصار وغيرهم نجحوا بالإفلات من أيدي الضابط

عاطف حناوي وزمرته فما انفك منذ ساعات الصباح وهو يزعق من مكبر الصوت معلنا منع التجول، الشاب خالد سعيد الحلو يقع في أيدي الشرطة. "أم عارف" سمية محمد حطيني تهرع خوفا على ولدها لتنقذه وبعد عراك بالأيدي مع الضابط نجحت في تخليص الشاب خالد سعيد الحلو وأطلقت سراحه، في الجانب الآخر من الحي وحصريا على الشارع الذي يشق الحي ويربطه بالشارع الرئيسي خارج البلد، حيث تعبر المجنزرات، هناك اشتعلت النيران، فحالت دون عبور قافلة المجنزرات، فقد وقفت عاجزة لا تستطيع اختراق قوة اللهب وزخات الحجارة. 

هذا العمل أفقد قائد الفرقة صوابه وأخرجه عن طوره، فأمر جنوده بإطلاق النار على البيوت واقتحامها عقابًا لما أصابهم من

ضربات وصدمات موجعة، فقد قاموا باقتحام خمسة بيوت مجاورة للمكان بيت مصطفى حسين عنتر نصار وبيت يوسف حسين عنتر نصار وبيت خالد أبو حامد محمد ياسين وبيت أحمد محمد ياسين وبيت ذياب خليل ذياب نصار، وعاثوا فيها فسادًا، وحطموا وأتلفوا ما فيها من أثاث ومؤن.

 الساعة الواحدة ظهرًا من يوم الـ 30 من آذار، بلغت الانتفاضة أوجها كما ونوعا، وقد سمتها السلطات تمرداً، عندما هب الشباب في الناحية الشرقية من حي نصار يتصدون لدورية عسكرية مؤللة، وقعت الدورية في كمين نصبه لها الشباب، كانت الدورية قد اخترقت زقاقا في حي العاصلة وتوغلت فيه حتى وصلت إلى زقاق آخر في حي نصار، بالقرب من دار المجلس المحلي، فقد اعترضت طريقها نار ذات لهب فانصبت عليها الحمم وزخات من الحجارة والزجاجات .......... كانت في

زخمها مثل زخات المطر في يوم شتاء زمهريري، حمي الوطيس ثانية.

عاد الجنود يطلقون النار على البيوت وعلى الناس بشكل عشوائي، استمر هذا الوضع وطال، وكانت الفرقة في وضع لا تحسد عليه، فقد باءت جميع محاولاتها للخروج بالفشل، لا حول لهم ولا منفذ لمفر، توقفت الكتيبة تصلاها النار الحامية، وقودها الإطارات والحجارة. لقد قض هذا العمل الجريء مضجع قائد المنطقة الشمالية الجنرال "رفائيل ايتان" وكان طويل القامة، قوي الجسم شديد المراس، فاضطر لأجل إنقاذ الجنود أن يهبط بحاويته على أرض البركة في الطرف الشمالي من

القرية، وقام باستدعاء رئيس المجلس المحلي لأمر عاجل وخطير ذهب رئيس المجلس المحلي السيد محمود نعامنة للقائه برفقة سكرتير المجلس المحلي السيد مصطفى لهواني والشيخ كايد نجار، كان الجنرال في حالة غضب وهيجان، ولا مجال عنده للنقاش، حدد لهم خيارين الخيار الأول إخراج الفرقة المحاصرة حالاً وبسلام والخيار الثاني اجتياح القرية وتدميرها. عاد رئيس المجلس المحلي وأمام هذه التداعيات الخطيرة، وقام بتوجيه دعوة لعقد جلسة طارئة لأعضاء المجلس المحلي، فحضر الجلسة جميع أعضاء المجلس المحلي إلا كاتب هذه السطور. قام الرئيس بإبلاغ الأعضاء بالخيارين، وتلافيا لحدوث مجزرة جديدة في عرابة وتحسبا لما هو أسوأ، اتفق الجميع على الخيار الأول والعمل على إخراج الفرقة سالمة من حصارها، توجه رئيس المجلس المحلي السيد محمود نعامنة ونائباه محمد عبري نصار وفضل نعامنة، والأعضاء ياسين ياسين وخالد موسى بدارنة وعبد الرؤوف كناعنة ومحمود العرابي وحسين علي عاصلة إلى المكان حيث الفرقة كانت محاصرة.

كان قائد الفرقة في حالة هلع، عصبي المزاج، خرج عن طوره فأمر وفد المجلس المحلي برفع أياديهم وإسناد ظهورهم إلى الجدار حتى يتبين له هدفهم، شرع وفد المجلس المحلي بمناشدة مجموعة الشباب بالكف عن المواجهة والعدول عن رشق الحجارة، وعملوا على إزالة الحواجز النارية، وحتى يؤمن قائد الفرقة ويضمن سلامة فرقته أخذ رئيس المجلس المحلي والوفد الذي يرافقه رهينة، يسيرون أمام المجنزرات درعا بشريا واقيا، والصبية جميلة يوسف حسين عنتر نصار اعتلت هي

الأخرى ظهر المجنزرة درعا بشريا آخر، وقفت شامخة، منتصبة القامة مرفوعة الهامة، ساروا حتى أوصلوهم محطة وقود "سونول" في القرية. عاد أعضاء المجلس المحلي والصبية، أما الجنود فواصلوا طريقهم من حيث أتوا.

انتهت المسرحية وقام الجنود بإزالة المعسكر وتفكيكه، وانفتحت أبوابه وخرج العشرات ممن جرى اعتقالهم طيلة هذه الساعات تحت طائلة الجوع والعطش والضرب المبرح، أتذكر ممن أفرج عنهم بعد اعتقالهم المربى أسعد سعدي مدير المدرسة الابتدائية (ج) وكامل محمد سليمان كناعنة مدير وكالة البريد في القرية، وكما أفصح الأستاذ أسعد سعدي فقد أوسعوهم سبا وإهانة وأشبعوهم ضربا ومهانة.

وهكذا أسدل الستار على مسرح الأحداث، وهدات العاصفة في الساعة الثانية ظهرا من يوم 30 من آذار.

يوم ال 31 من آذار: أخفقت السلطات بحماقتها في عرابة يوم الـ 30 من آذار، أطل صباح يوم الـ 31 من آذار واستيقظت القرية بوشاحها الأسود، الحزن يلفعها والأسى يغمرها، وبين هذا وذاك تسللت اليها نشوة الصمود، بالرغم من فجاعة المأساة، فهي التي بوحدة صفها وتفاني شبابها وعزيمة اهلها، قد صنعت المعجزات في هذا اليوم.

استيقظت تنتظر بألم، ونفاد صبر وصول جثمان الشهيد خير ياسين، ففي هذا الصباح القاتم الاغبر وقد تلبدت غمامة رمادية في السماء تحجب اشعة الشمس في بعض الاحيان، تقاطرت الجماهير وجاءوا بقضهم وقضيضهم ومن كل فج عميق من كل الاطياف الى بيت والد الشهيد اجلالا واكبارا لتشييع الجثمان في موكب مهيب، غصت المنطقة بالناس، الخطب جلل، والمصاب عظيم. غصت الصدور واختلجت الشجون تعاظم الحشد وتعمق الجرح، وعظم الحزن، فترى الناس حزانى، ذلك

يذرف الدمع صامتا، وذاك ينفث تنهيده بحسرة ومرارة.

وصل رفاق الحزب الشيوعي في هذا الصباح الى بيت والد الشهيد وكانوا أول من وصل، ومعهم رفاق الدرب من الجبهة الدمقراطية التي تأسست في عرابة سنة 1967، ليقدموا عزاءهم ومواساتهم للعائلة.

وبينما نحن في هذا الموقف الحزين وفي قلب هذا الحشد العظيم تسرب لنا خبر مفاده ويؤكد ان السلطات عازمة على عدم تسليم الجثمان الا في ساعات المساء، والذي قد مضى على رقاده في المستشفى ثلاثة أيام وتحت حراسة مشددة من الشرطة، بينما تنوي تحرير جثامين الشهداء من سخنين في الساعة الثانية عشرة ظهرا من يوم الـ 31 من آذار، على
ان يقتصر التشييع على نفر قليل من الاهل في سابقة خطيرة ذات ابعاد وخيمة، وفي ظروف حساسة وصعبة، لقد هزنا من الاعماق هذا الخبر واثار حفيظتنا نحن رفاق الحزب الشيوعي والجبهة الدمقراطية في عرابة، شعرنا ان الوقت لا يسمح للنقاشات والمداولات ففي لقاء عاجل وسريع بين خمسة من الرفاق والاصدقاء ابراهيم شمشوم، وفضل نعامنة، وتوفيق كناعنة، وعمر سعدي وحمادة صالح يوسف بدارنة سكرتير الجبهة الدمقراطية ،اجمعنا وبإصرار على رفض املاءات

السلطات على سخنين، وان تلك الخطوة التي اتخذتها هي خطوه تعسفية استفزازيه وانتهاكا صارخا للحريات الديموقراطية، قررنا وخير ما قررنا الاندفاع بشجاعة في مسيرة احتجاج الى سخنين تقاعس من تقاعس وتقدم من تقدم، فوجدنا أنفسنا في طليعة سيل جارف من الناس يتدفق وينهمر نحو سخنين.

باتت سخنين ليلة الـ 31 من آذار، جريحة منكوبة تضمد جراحها، ثلاثة شهداء رووا الأرض بدمائهم سقطوا يوم الـ 30 من آذار. خديجة شواهنة، رجا ابو ريا، خضر خلايلة عشرات الجرحى وعشرات المعتقلين،  كان عبء هذه المجزرة على الأهل في سخنين كبيرا، وكانت وزرا ثقيلا ترك اثره السيء على الناس، فخيم جو من الذعر، وزعزعت الثقة عند البعض وكان العبء مضنيا على رئيس المجلس المحلي جمال طربيه في مثل هذا الوضع الذي اختلت فيه المعايير، استيقظ الانتهازيون بعد صمت وفي غفلة من الزمن، ورفعت المعارضة عقيرتها، فاخذوا ينهشون بجمال طربيه كالذئب الجائع وينحون عليه باللوائم، وحملوه وحده كامل المسؤولية لما حدث في سخنين وما تمخض عنه من اسقاطات وتداعيات. فوقع بين فكي السلطة والمعارضة، حائرا بائسا مع نفسه عاجزا لا حول له ولا قوة، وسكت على الاملاءات وان كان على مضض "مكرها اخوك لا بطل".

وصل السيل الجارف المتدفق من عرابة يتصدره الشيوعيون والجبهويون الى مشارف سخنين، وكان صوت الغضب لهذا السيل يجلجل قاطعا الأودية، يشق عنان السماء، حتى وصل صداه الى الاهل في سخنين فاستبشروا خيرا، فاستيقظت الهمم وجاشت المشاعر وتوقد الحماس واخذت الروافد البشرية السخنينية تصب بذلك السيل العرابي.

سالت الدموع فرحا احيانا وسحت حزنا احيانا اخرى، تساقطت من الامهات والاخوات ندية كحبات لؤلؤ افلتت من قلادة، واصلت المسيرة طريقها وهي تزداد زخما وحماسا وضخامة، وطافت شوارع سخنين وعبرتها حتى الجهة الغربية ثم التقت وهي تحتضن الناس فتعلو الهتافات والتكبيرات الى ان وصلنا الى المقبرة حيث ستوارى الجثامين.

فكانت سخنين قد خرجت عن بكرة أبيها، تتحدى في أضخم حشد عرفته في تاريخها، انتعش جمال طربيه وجاءه الفرج، وتفتحت أساريره عندما هبت الرياح الشرقية بحرية، فجرت الرياح كما اشتهت سفينته فخرج من القمقم ماردا، فقلب رأس المجن على معارضيه وغمرته نشوة التحدي وقد نفض عن كاهله ذلك العبء الثقيل " ان الحديد بالحديد يفلح" فوقف امام الجماهير متحديا جسورا، يجلجل صوته عاليا ويصدح فتقدم لهم شاكرا، ولأسر الشهداء معزيا، وللشهداء حانيا هامته اجلالا واكبارا، وللجرحى متمنيا الشفاء العاجل، وللمعتقلين الحرية والسلامة، دان الجريمة النكراء ومرتكبيها، وحملهم المسؤولية كاملة عما اقترفوه.

انفضت الجماهير، وقد دغدغها شعاع الامل بمستقبل واعد رغم ما خالجها من حزن وحسرة. عادت المسيرة العرابية من تحدّ الى تحد ومن صولة الى صولة، لتكمل المشوار، ولتنظم حفل تأبين لا يقل بروعته وفخامته عن ذلك في سخنين، تكريما للشهيد خير ياسين، ماطلت السلطات في تحرير الجثمان، وقد بالغت في مماطلتها واطالتها، وحاولت بهذه المماطلة، والطرق الملتوية ان تحول دون نجاح تنظيم حفل التأبين الذي يصبو اليه الجمهور، وبقيت بهذه المماطلة وهي لا تفك اسره او تطلق سراحه الا بعد ان ادلهم الليل.

لم تنطل هذه المؤامرة الدنيئة على جماهير عرابة، فقررت الجماهير ان يبقى الجثمان مسجى في بيت والده في انتظار الغد القريب. كانت تلك ليلة ليلاء محزنة، اعتصرت القلوب فيها وللمرة الرابعة ثارت الاحاسيس، كان مشهدا يفتت الافئدة ويثلم الاكباد، ان يتجرع الوالدان والأهل الكأس المرة للمرة الرابعة في غضون عقد واحد من الزمن، ان يرى الوالدان فلذة كبدهما الرابع مسجى امام ناظريهما، فانفتحت عندهم الجراح للمرة الرابعة، غابت في هذه اللحظات نشوة الصمود وغطت السماء سحابة سوداء من الحزن والاسى، وعم الغضب ثانية على قسوة الدهر وغدر الزمان والمجرمين، كان منظرا اقشعرت له الابدان، ألام تندب وتتلوع، الخالة تنوح وتبكي والاخت في هلع ، والاخ في حسرة انهمرت من عينيه الدموع صابرا، والوالد الحنون الذي تعود على النائبات واعتاد على طوارق الليل وجوار النهار" يأتزر بالصبر يتعوذ ويحوقل عصي الدمع آيات من الذكر الحكيم، تتلى برتابة، الجماهير في صمتها تتحدى في هذا المشهد الرهيب، انتبه الوالد الثاكل الى شيء ان البكاء يسر العدو وأن العويل يشفي غليل جلاوزة المتطاولين المجرمين فنادى بصوته المتهدج المتراخي الحزين، فاستجابت اخته للنداء فنهضت فحملت من على رأسها طبقا وضعت فيه ثوب الكفن وغمرته بقلائد وباقات الورود واخذت تلف وتدور بين النساء، تعالى دخان البخور وعبقت روائح العطور، وعلت الزغاريد ليتحول المأتم الى عرس للشهيد نكاية بالظالمين.

يوم ال 1 من نيسان: طال الليل وطال سواده، وطال ثقله وهذا غيض من فيض من الآلام في ذلك المشهد الرهيب في تلك الليلة الساعة الواحدة ظهرا وفي ساحة القبو وصل الجثمان محمولا على الاكف من رفاق درب الشهيد واصدقائه واترابه، وسجي هناك وكانت الجماهير من سخنين، وعرابة ودير حنا ومن كل القرى والمدن، ومن كل حدب وصوب، جاءت وتقاطرت لتغرق عرابة في بحر زاخر من البشر، اكتظت الشوارع وغصت الساحات والازقة وسطوح المنازل بالآلاف لا بل عشرات الآلاف التي جاءت لتودع الشهيد الوداع الأخير، لتوفيه حقه ولتعبر عن ولائها. تناغم مرة اخرى صوت رفع الأذان مع جلجلة اجراس الكنيسة تعبيرا عن روح التأخي، وان المصاب هو مصاب كل الجماهير بجميع طوائفها وفئاتها. اعتلى المنصة القائد الشيوعي توفيق زياد صاحب الباع الطويلة في الدفاع عن الأرض وفي صنع يوم الأرض، وفي نهاية

كلمته الشاملة بعد أن قدم العزاء لعائلة الشهيد اقسم بأننا لن ننسى ولن نغفر، ووفاء منا للشهداء ستبقى ذكراهم خالدة وسنظل نحيي هذه الذكرى من كل سنة في الـ 30 من آذار، فرددت الجماهير القسم ورددت الله أكبر الله أكبر. انتهى حفل التأبين وقد ردت الجماهير كيد السلطات الى نحورها، طبع اتراب واحباء الشهيد قبلات الوداع على جبين الشهيد وورى الجثمان في التراب ونام خير قرير العين.


المحصلة:

أسدل الستار على احداث يوم الارض، وظلت قضية الأرض القضية الاساس، فكانت محور النزاع مع السلطات الرسمية، وظل أخطبوط المصادرة جاثما عليها ثاغرا فاه، بغية التهامها وابتلاعها وظل التوجس من المصادرة كابوسا يشغل بال الناس.

وحتى لا يذهب دم الشهداء هدرا، ومعاناة الجرحى عبثا، وضع الحزب الشيوعي ولجنة الدفاع عن الأرض في مثلث يوم الارض والمجلس المحلي نصب اعينهم ضرورة الاستمرار في النضال لإلغاء قرار الاغلاق، والغاء الصبغة العسكرية عنها وتحريرها وارجاع الأرض لأصحابها. تكالبت السلطات بعد احداث ال 30 من آذار، واستشرست في تنفيذ مخطط تهويد الجليل الذي يصيب ارض المل، وشددت من اساليبها الانتقامية وصعدت من اجراءاتها القمعية ضد الفلاحين وراوغت وماطلت ورفضت اصدار التصاريح للدخول الى الارض، كوسيلة ضغط ولزرع بذور اليأس بين جماهير الفلاحين.

فاندفع سماسرة الأرض، وتسللوا كالخفافيش في الليل لإغراء واستمالة ضعفاء الارادة من المواطنين. وامعانا في الاساليب القمعية جعلت السلطات من ارض المل منطقة تدريبات عسكرية، فازدادت صحوة الجماهير، وازدادت يقظتها، ولم يزدها العنف الا عنفوانا.

كان اخفاق السلطات في غطرستها في ال 30 من اذار ذلك البلسم الذي بلسمت به الجماهير جراحها، ولم تقو تلك الاساليب على ردع الفلاحين من ممارسة فلاحة الأرض وزرعها، وامام حجز التصاريح عنهم، فاضطروا للتسلل الى الأرض واقتحامها وأحيانا على ضوء القمر، وقد دفعوا الثمن باهظا، عانوا من ملاحقة رجال الشرطة لهم وشرطة حرس الحدود، ولكنهم لم يركعوا ولم يخنعوا.

كان الحاج حسن احمد نعامنة مثالا للمعاناة ومثالا في الصمود والتحدي فهو يملك 75 دونما في ارض المل ولا يملك غيرها من ارض البطوف، فبالرغم من كل الاجراءات التعسفية القمعية، لم يتقاعس يوما عن مزاولة عمله في الارض، فتعرض للاعتقالات والضرب والتعذيب والتنكيل وقدمت الشرطة ضده 40 ملفا من الخروقات والمخالفات وغيرها حتى ضاق ذرعا في احدى الجلسات من تصرفات الشرطة نحو هذا الشيخ الجليل أحد القضاة فقام بتوبيخ رجال الشرطة في قاعة المحكمة وقرر تبرئته وإطلاق سراحه.

في ضوء استشراس السلطات على ارض المل، كثفت المجالس المحلية في مثلث يوم الأرض من رسائلها الاحتجاجية للدوائر الرسمية المختصة والوزارات، تطالبها بالكف عن ملاحقة الفلاحين، وإلغاء قرار الاغلاق والغاء الصبغة العسكرية عنها وقد تسلمت السلطات المحلية في مثلث يوم الارض في 11-10-1977 ردا على مكاتباتها من المسؤولين في الدوائر المختصة عادت فيها على رفضها القاطع لإلغاء قرار الاغلاق واكدت مرة اخرى رفضها بتحرير الارض.

كان لهذا الرد الاستفزازي ردا عكسيا عند الفلاحين فزادهم إصرارا وتحديا. وفي الذكرى الثانية ليوم الأرض المجيد وعلى ضوء رد السلطات الرسمية الاستفزازي للمجالس المحلية، خطا الحزب الشيوعي في عرابة خطوة ثورية ايجابية شجاعة وجريئة عندما أعلن للأهل في عرابة ان يوم الذكرى الثانية في ال 30 من آذار هو يوم غرس أشجار الزيتون في ارض المل ، وتلبية لهذا النداء تطوع 46 رفيقا من الشيوعيين في عرابة ودخلوا في صباح ذلك اليوم متحدين أوامر المنع الى ارض المل مشيا على الاقدام، وهم يحملون على اكتافهم وبأيديهم غرسات الزيتون وتم زرع 200 غرسة زيتون في ارض الشيخ علي قاسم يحيى نصار، وقد شاء القدر ان يكون موقع استشهاد شهيدي انتفاضة أكتوبر علاء نصار واسيل عاصلة سنة ال 2000، في ظلهن الغرسات التي اصبحت مع الزمن اشجارا باسقة ليرووها بدمائهم، وقد تركت خطوة زرع غرسات الزيتون اثرا حسنا في نفوس الاهالي وكانت نقلة نوعية اخرى في التحدي ، تتالت بعدها عمليات زرع اغراس الزيتون اثرا على اثر لتغطي فيما بعد الاف الدونمات من أرض المنطقة بهذه الشجرة المباركة.

دارت الايام وكانت لصالح الجبهة الديمقراطية وسجلت فيها مكاسب كبيرة، فاستجدت المستجدات وحملت في طياتها متغيرات، اذ جرت انتخابات السلطات المحلية في اسرائيل عامة سنة 1978 ، تتوجت بنجاحات باهرة للجبهة الديمقراطية بإيصال 26 رئيسا جبهاويا او حليفا الى رئاسة المجالس المحلية ، ومن تداعياتها واسقاطاتها فقد أطاحت الجماهير بهذه الانتخابات بمعظم الرؤساء الذين عارضوا الاضراب من ال 1976 ، وتعقيبا على هذا الانجاز والفوز الكبير لهذه النتائج السارة والمفرحة التي حصلت عليها الجبهة القطرية ، والموجعة للسلطات الرسمية ، والتي قضت مضجع حاكم لواء الشمال في حينه يسرائيل كينغ) ، فعبر عن ذلك الوجع وبحسرة في وثيقته المشؤومة سيئة الصيد والمضمون التي اصدرها في ذلك الوقت فكتب يقول : "نجح الاضراب في ال 30 من اذار نجاحا تاما وسيطر منظموه على مختلف المؤسسات في الوسط العربي ، وتماثلت مع الاضراب عناصر متعاونة مع الجهاز الاسرائيلي ، وقد نحى الاضراب ، وهمش رؤساء السلطات المحلية الذين لم ينضموا اليه فسلم الجمهور العربي الى راكاح ودعاته القوميين " يعني الحزب الشيوعي الاسرائيلي (ع.م).

بهذه الكلمات تباكى حاكم اللواء على اخفاقات السلطات الرسمية ونعى رؤساء السلطات المحلية العربية المتعاونين مع جهاز السلطات الرسمية والذين اطاح بهم الجمهور. فقد طالت تلك المستجدات بمدها الثوري مثلث يوم الأرض وقد جرف سيل الجبهة أولئك الاشخاص الذين سبحوا ضد تيارها او ناهضوها في الانتخابات.

ونجح السيد جمال طربيه برئاسة مجلس سخنين المحلي، والسيد محمد عبري نصار برئاسة مجلس عرابة المحلي، والسيد رجا خطيب برئاسة مجلس دير حنا المحلي، وجميعهم جاؤوا من إطار الجبهة الديمقراطية التي اتسعت صفوفها وعظمت قوتها بعد احداث سنة ال 1976، رفعوا ثلاثتهم الراية خفاقة ولم ينكسوها يوما، وثابروا وواصلوا مع الحزب الشيوعي الليل بالنهار في الكفاح تجسيدا لاماني ورغبات الناس ووفاء للعهد وايمانا بعدالة القضية، وظلت الجماهير تصارع والمجالس المحلية تناضل دون هوادة عقدا كاملا من الزمن، وظلت المعارك مع السلطات الرسمية تتتالى سجالا كرا وفرا، وفي غمرة هذا الصراع مع السلطات وزخم الكفاح والمثابرة في الصمود والتحدي، وعلى ضوء المستجدات في السلطات المحلية العربية، وتكاثر قوى التحدي وتعزيز قوة الجبهة الديمقراطية عيّن رئيس الحكومة أنذاك شمعون بيرس لجنة حكومية برئاسته مهمتها فحص ملف ارض المل، لإيجاد الحل الملائم لهذه القضية واوكل المهمة للوزير عازار وايزمان وزير الشؤون العربية في حكومة بيرس آنذاك.

 قام وزير الشؤون العربية المذكور بزيارة لمجلس عرابة المحلي في شهر شباط سنة ال 1986 وقد قام بجولة استطلاعية ميدانية لأرض المل برفقة رئيس المجلس المحلي محمد عبري نصار ونائبه فضل نعامنة وكانت الارض في شهر شباط قد ازدانت بحلتها الخضراء، ورأى الوزير بام عينيه وعن كثب مئات الدونمات قد خلعت ثوبها المغبر الباهت وقد اكتست بثوبها الاخضر الجميل من نبات القمح والشعير، ورأى عشرات الواحات الممتدة لالاف الدونمات المغروسة بأشجار الزيتون وشاهد الوزير، زيف ادعاء السلطات الرسمية والعسكرية واستبان حقيقة ارض المل بانها ليست كما تدعي السلطات بأنها ارض قاحلة وعرية، وصخرية ، لا تصلح الا للمراعي ورفع ما شاهده من انطباعات ، وحقائق راسخة الى اللجنة المكلفة بالأمر ، وفي 6-8-1986 من تلك السنة قررت اللجنة تحرير الارض ، تحرير 20 الف دونم ، التي هي ارض المل والغاء قرار الاغلاق ورفع الصبغة العسكرية عنها لتعود لأصحابها الشرعيين .كان ارجاع الارض ثمرة طيبة الطعم وعذبة المذاق لذلك النضال ، وتتويجا لوحدة الصف وذلك الصمود الاسطوري الجماهيري ، ولدور المجالس المحلية المثابر ، الذي تكلل بالنجاح ولم يذهب دم الشهداء هدرا .

ولم تنته المعركة عند ارجاع الارض، فقد واصلت المجالس المحلية كفاحها في مثلث يوم الرض ورفع الراية حتى ضمت الى نفوذها معظم الأراضي وسجلت في النهاية مكسبا جديدا وانتصارا باهرا فقد ضم مجلس عرابة 9 الاف دونم بدل 3 الاف دونم ومجلس سخنين 9 الاف دونم بدل 3 الاف ومجلس دير حنا 5 الاف بدل ألف دونم ونصف، وتتويجا لانتصار الجماهير في يوم الأرض وتحقيق ذلك الانجاز العظيم بتحرير الارض والاطاحة بمعظم الرؤساء المتعاونين المتخاذلين، وكان دور

الحزب الشيوعي والجبهات التي منها تأسس سنة 1976 دورا طبيعيا قياديا، وبهدي الحزب اهتدت الجماهير وعرفت طريقها الكفاحي وحققت انتصاراتها وليس عن طريق التوسل والتخاذل والخنوع، وعرفت ان الكف يستطيع ان يلاطم المخرز وان الحجر يقوى احيانا مع الارادة على الحديد والفولاذ وذلك بعزم وارادة الشعب المتينة وقيادة مخلصة وامينة. (وإذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر).

وبذلك يكون يوم الأرض قد سطر بنجاحه مرحلة جديدة ونقلة نوعية من حياة الجماهير العربية ونضالاتها الثورية.