في نفس تلك السنة 1975، جرى حدثان كان لهما أثرهما في مسيرة جماهير الأقلية العربية في إسرائيل، نشأ الأول عن تراكم مصادرات الأرض التابعة لمدنها و قراها، عبر ربع القرن الفائت، وبمختلف القوانين والذرائع التي سنها أسياد البلاد الجدد ونفذوها، وكانت أعمال الإحتجاج المتعددة التي نظمها المتضررون من هذه المصادرات بمبادرة الشيوعيين تنتهي بلا نتائج ملموسة، ودون أن تردع الحكام عن مواصلة المصادرة.
في ربيع تلك السنة، نشرت الحكومة عن مشروع جديد لها بإسم "تطوير الجليل" يستهدف تغيير التوازن الديموغرافي لسكانه، بمعنى زيادة نسبة اليهود فيه على حساب مصادرات جديدة من أراضي سكانه العرب.
وأثار هذا النشر قلق الجماهير العربية وروح الإستعداد للمواجهة فيها، فالتسليم بالمصادرات الجديدة يعني علامة سؤال على مستقبلها في وطنها، وأحسسنا بنبض الشارع، وبادرت قيادرة حزبنا إلى الدعوة، عن طريق لجنة مبادرة، إلى عقد مؤتمر للجماهير العربية بمشاركة قوى وشخصيات يهودية ديمقراطية للتداول حول وسائل مواجهة أمر المصادرة الجديد ولإفشاله.
وإنعقد المؤتمر في الناصرة في تشرين الأول من تلك السنة، وإنتهى بإنتخاب "لجنة الدفاع عن الأرض"، وكلّفها بإدارة المعركة ضد سلب الأراضي.
ودل زخم وتنوع الحضور في هذا المؤتمر على الإستعداد الجماهيري للمواجهة، وقد إتضح ذلك بشكل ساطع خلال الأشهر الخمسة التي تلت المؤتمر، وأوصلت إلى الثلاثين من آذار في العام التالي- 1976.
أما الحدث الثاني فكان إنتصار جبهة الناصرة الديمقراطية في إنتخابات بلدية الناصرة، أكبر تجمع سكاني لجماهير المواطنين العرب في إسرائيل والذي دلّ أيضاً على نهوض عاصف للروح الصدامية لدى هذه الجماهير، وكان ذلك في نهاية 1975.
تواصلت النشاطات الإحتجاجية على أوامر مصادرة الأراضي الجديدة، ومطالبة الحكومة أن تتراجع عنها، وبدا واضحاً إن الحكومة ماضية في غيّها، كعادتها في السنوات السابقة تجاه إحتجاجات مماثلة ياما تكررت، ثم هدأت وبقيت المصادرات سارية المفعول.
وإزاء هذا الإستهتار الحكومي لم يكن بدّ من التصعيد. وإجتمعت لجنة الدفاع عن الأراضي في الأسبوع الأول من آذار 1976، وقررت إعلان الإضراب العام والشامل في مراكز تجمع المواطنين العرب يوم الثلاثين من آذار نفسه، ودعت المواطنين العرب إلى إنشا لجان محلية للدفاع عن الأرض وللإعداد للإضراب العام.
وبدأت فروع الحزب بنفيذ هذه المهمة، وهكذا فعلنا في قريتنا، فدعونا ممثلي الكتل الممثلة في المجلس المحلي والعديد من الشخصيات المحلية ذات الإهتمام بالقضايا العامة وذات التأثير في الرأي العام المحلي إلى إجتماع، أسفر عن إقامة لجنة محلية للدفاع عن الأرض واسعة التمثيل.
وبعد مشاركتي في هذا النشاط، كان علي أن أستعد للسفر إلى خارج البلاد بوفد يمثل حزبنا، إلى مؤتمر الحزب الشيوعي البلغاري الذي سينعقد في أواخر آذار.
سافرت والرفيق ساشا حينين، عضو المكتب السياسي ورئيس الوفد، إلى صوفيا، مشغول البال بما وراءنا إنها المرة الثانية التي أكون فيها خارج البلاد أثناء أحداث جسام يعبرها حزبنا، وأثقل قلبي هذا الشعور أن يكون رفاقك في قلب العاصفة وأنت بعيد عنها! ولو أنك تقوم بواجب آخر، فإن ذلك لن يخفف عنك.
وفي الثلاثين من آذار، في ساعات ما بعد الظهر والمساء، بدأت تصلنا في ما إستطعنا من التقاطه من إذاعات أنباء الصدام مع قوات أمن حكومة المصادرات، والحصاد الدموي الذي حققته في ذلك اليوم، ومع فورة الغضب والحزن التي هزتني تحقق أن الإضراب نجح. وسيكون لهذا اليوم ما بعده، وصرت على أحر من الجمر في إنتظار موعد عودتنا إلى الوطن.
في اليومين الأخيرين من وجودنا في بلغاريا أخذنا مضيفونا في جولات بربوعها، وفي إحداها وصلنا إلى قلعة في منطقة جبلية كأداء إسمها قلعة "الشيبكا"، حيث جرت في القرن الماضي معركة حاسمة بين مناضلي الشعب البلغاري وجيش إمبراطورية السلطان العثماني التي إستبدت بذلك الشعب طويلاً. وكانت إحدى المعارك الحاسمة في نضاله للتحرر من نير الإستبداد التركي. وحولت الحكومة الإشتراكية في بلغاريا بقيادة حزبها الشيوعي هذا الموقع إلى معلم يذكر الأجيال اللاحقة ببطولات آبائها وأجدادها وبتضحياتهم من أجل التحرر من غزاة مستبدين بطشوا بهم وبوطنهم.
بوقفتي متأملاً ذاك الموقع، تداعت ذكريات ما كنت أسمعه من كبار السن في بلدي عن ظلم الأتراك لبلادنا وشعبنا، وعن أشخاص سيقوا من بلدنا وبلادنا وإلى العسكرية التركية إلى ساحات حروبهم مع البلغار واليونانيين، وأعيتني تساؤلات تضج في خلدي، ولماذا لم يثر شعبنا كما البلغار واليونان ضد إستبداد الأتراك؟ لماذا لا توجد لدينا "شيبكانا" كما هذه "الشيبكا"؟ بماذا أسكتوا شعبنا عن محاربة إحتلالهم وإستبدادهم؟ وهل كان الدين الواحد لدى شعبنا ولدى المستبدين به هو المبرر؟ ولماذا لم يرتدع المستبدون من جراء هذا الدين عن إستبدادهم بآبائنا وأجدادنا المعتنقين مثلهم نفس الدين؟!
مرة أخرى جاءني الجواب: ليس للمستبد دين ولا قيم سوى "دين" وقيم الإستبداد وإن لجأ إلى الدين فليس إلا لتخبيل ضحاياه.
وإذا قصر أجدادنا في محاربة الأتراك، فإن آباءنا لم يقصروا في محاربة الإنجليز، فلماذا لم تقم "شيبكا" كهذه عند "الليات" و"قرن الحناوي" أو عند رأس "أبو مجاهد" حيث طحن مناضلو شعبنا عساكر الإنجليز في ثورة 36-1939؟!
أربعون عاماً إنقضت على تلك المعارك، ولكنها تغيب أعمق فأعمق في غياهب النسيان! ويل للشعب المغلوب! فحتى تضحياته تذهب سدى أو تغدو نسياً منسياً.
في الليلة الأخيرة قبل مغادرتنا صوفيا للعودة إلى الوطن، نظم مضيفونا أمسية إحتفالية لوفود الأحزاب والحركات الشقيقة إلى مؤتمر حزبهم، شارك فيها بإستقبال الوفود زعيم البلاد وسكرتير عام الحزب تيودور جيفكوف، وإصطففنا كباقي الوفود بالدور، يتقدم الواحد بعد الآخر ليسلم على الزعيم ويعرفه على نفسه وأي حزب أو حركة يمثل، وعند إنتهاء هذا الطقس يبدأ الإحتفال.
وإذ أنا واقف بدوري وراء رئيس وفدنا لمحت أمامنا، على بعد قليل، عبد الفتاح إسماعيل، قائد الشيوعيين اليمنيين وقائد ثورة جنوب اليمن ضد مستعمريها الإنجليز.
هادئ، بسيط، مثقل بالهم، تبدو على وجهه الأسمر مسحة من الحزن.
يا للحلم! وتخطيت دوري نحوه بلهفة وكأنني ألتقي فجأة صديقاً حميماً فارقته منذ سنين طويلة، بينما كانت كل معرفتي له عن طريق ما قرأت عنه وما رأيت من صور له في الصحف."سلامات يا رفيق عبد الفتاح"! وعانقته وقبلته نيابة عن كل رفاقي في الوطن الذين تابعت وإياهم، وفرحت وإياهم بالثورة التي أنجزها رفاقنا في اليمين بقيادة هذا البطل المتواضع، تلك الثور التي اسند إنتصارها ظهورنا بعد نكسة الخامس من حزيران 1967.
وعرّفته بنفسي وبرفيقي ساشا، فحيانا وحيّا حزبنا الأممي، وإستفسر عن أخبار الحزب، ويوم الثلاثين من آذار التي سمعها كما سمعناها من الإذاعات، ولم نستطع إستكمال الحديث، فقد جاء دوره ليتحرك ونحن من بعده.
في قادم السنين، وعندما أشعلت مطامح البرجوازية الصغيرة، نار الفتنة التي قادها علي ناصر محمد والتي أدت إلى تمزيق وإنهاك الجبهة الديمقراطية القومية الحاكمة وفي مركزها الشيوعيون وجرى خلالها إغتيال عبد الفتاح إسماعيل ورفاقه، شعرت بفاجعة خاصة، ضمن فاجعتنا العامة بتصدع جمهورية اليمن الجنوبي الديمقراطية الشعبية، فما قرأته لعبد الفتاح إسماعيل كقائد فكري، وما عرفته عنه من سمات جعلني أعتقد أنه سيتجاوز بتأثيره الفكري حدود وطنه الصغير، لينفع شعوب ومجتمعات العالم العربي التي تعيش مرحلة من التطور شبيهة بتلك التي يعبرها الشعب اليمني. فقد كانت الثورة المنتصرة في اليمن الجنوبي أول ثورة في مشرقنا العربي يقوم بها الناس العاديون، لا الجيش، وتنتصر، والفضل في ذلك يعود إلى التحليل العلمي، الماركسي اللينيني، لأوضاع اليمن الجنوبي الذي قام به عبد الفتاح إسماعيل ورفاقه.
ومرة أخرى، ينتصب أمامك أيها الثوري، السؤال، هل يكفي الإنتصار على العدو الخارجي، بينما يظل العدو الداخلي متستراً بألف قناع وقناع.
وعدت إلى الوطن، ورحت أسمع متلهفاً تفاصيل يوم الأرض ومواقعه، سمعت عن وقفة رفيقي توفيق زياد البطولية المتحدية في إجتماع رؤساء السلطات المحلية العربية. جمعتهم أجهزة السلطة عنوة في الخامس والعشرين من آذار ليقرروا، حسب رغبتها، إلغاء الإضراب العام الذي دعت إليه لجنة الدفاع عن الأراضي.
كانت قاعة الإجتماع في شفاعمرو مطوقة بقوات كثيفة من الشرطة وحرس الحدود، حتى تسند بإرهابها القوى العميلة والإنتهازية والضعيفة، المشاركة فيه، لتقوى على إتخاذ القرار الإنهزامي الذي تريده السلطة، ولكن "قوات الأمن"، هذه كانت مطوقة أيضاً بجماهير شفاعمرو ووفود المواقع الأخرى في جليلنا، تنادي للصمود على قرار الإضراب.
رضخت أكثرية الرؤساء لإرادة السلطة فوقف توفيق زياد يجأر فيهم، قراركم النذل هذا لن يصمد، قرار لجنة الدفاع عن الأراضي هو قرار الشعب وهو الذي سيكون.
كان توفيق مع بعض رؤساء أقل من أصابع اليد عدداً، هم الأقلية التي صمدت في وجه التيار وأثبتت أنها في الشارع، بين الجماهير هي الأكثرية.
لقد كانت مجسات الحزب لنبض الشارع سليمة، فكان قرار مكتبه السياسي بإعلان الإضراب العام قراراً وموضوعياً، يعكس إرادة الجماهير، وهذا ما أثبتته أحداث الثلاثين من آذار.
وسمعت عن بطولات رفاقي في منظمات الحزب في سخنين وعرابة وديرحنا في مقدمة جماهير هذه البلدات التي واجهت الضربة السلطوية الأساسية في ذلك اليوم المشهود.
وسمع كيف أسروا في عرابة الضابط الذي كان يقود "قوات الأمن" التي هاجمت البلدة، وإعتقلوه في أحد بيوتها، وتفاوضوا معه على إطلاق سراحه مقابل أن يطلق سراح المعتقلين من عرابة وإخراج القوات التي بإمرته منها.
وكانت لي فرحتي الخاصة، الداخلية التي لم أبح بها، مما سمعت عن مثلث يوم الأرض هذا، فبين أبطاله من الشيوعيين كان العديد ممن أسهمت بتنشئة شيوعيتهم وهم في بداية شبابهم، ومنهم من أسروا الضابط في عرابة وفاوضوه في عملية "تبادل الأسرى" في ذلك اليوم الآغر.
في تلك السنة كان عدد الأقلية العربية في إسرائيل قد بلغ الأربعمائة وخمسين الفاً، وقد تمكنت من صنع هذا اليوم العظيم، الذي غدا الإحتفال بذاكره سنوياً تقليداً كفاحياً لجماهير الشعب الفلسطيني في جميع مواقع تواجدها وشتاتها ولكل قوى التقدم والديمقراطية داخل إسرائيل وفي أصقاع العالم، بفضل وحدتها الكفاحية التي أنشأها وقادها الشيوعيون، بسياستهم الأممية.
إذ أتحدث عن "يوم الأرض" وأحيي ذكراه السنوية مع رفاقي وجماهيره، ويملأني الإعتزاز بدور حزبنا فيه، تنهض في خلدي ذكرى الرعيل الأول من مؤسسي حزبنا، وما فعلوه دفاعاً عن حق الفلاحين العرب الفقراء في الأرض التي عاشوا عليها ومنها، عندما جاء تجار الصهيونية مع عساكر بريطانيا لطردهم منها. أتذكر ما روته بنينا فاينهوز، بنينا الحمراء، الصبية الشيوعية في العام 1924، عندما هرعت مع رفاقها الشيوعيين لنجدة فلاحي العفولة العرب الفقراء، عندما جاء عسكر الإنجليز لطردهم من قريتهم وأراضيهم، لتسليمها إلى تجار الصهيونية بعد ما إشتروها مع أرض مرج إبن عامر من آل سرسق، وكانت العفولة واحدة من إثنتين وعشرين قرية مثلها لاقت نفس المصير.
كانت صرخة الشيوعيين آنذاك كصرخة في واد، في ظروف ذلك الزمن.
وعاشت بنينا الحمراء حتى شهدت في شيخوختها يوم الأرض العظيم، وكم كانت سعيدة به عندما التقيتها بعد عودتي من بلغاريا، وكانت تعرف من مراجعاتي لها مدى إهتمامي بمسالة الأرض في فلسطين، وإنني أدرس منذ سنوات هذه المسالة ومباذل الصهيونية في تملكها. فبعد قراءتي لكل كتاب أو مصدر من أدبيات ووثائق المنظمة الصهيونية ومبعوثيها في مجال شراء الأراضي في فلسطين- من أيام العهد العثماني في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أواسط العقد الخامس من القرن العشرين في عهد الإنتداب البريطاني- كنت أحدثها عنه، عندما نلتقي في مناسبات حزبية، وعندما تراني مندهشاً وأنا أحكي مما قرأته عن وسائل الصهيونيين القذرة في شراء الأراضي في هذا الموقع أو ذاك، وتطريد أهلها من الفلاحين والبدو العرب الفقراء، دون رادع من ضمير، كانت تعلق على إندهاشي، وهل للرأسمال ضمير يا رفيق؟! الربح هو ضمير الرأسمال ولا أخلاق له سوى هذا.
هذا ما حدث صاحب المال وسماسرته، والإقطاعي مغتصب الأرض ومالكها الرسمي، وممثلو السلطان ومن بعدهم ممثلوا صاحب الجلالة في حكم البلاد- ثالوث الظلم هذا، مقابل جماهير كادحة فقيرة وأمية فلاحين وبدو بسطاء. تلك كانت المعادلة في فلسطين، وهل يساورك الشك لجانب من سيكون النصر من طرفي المعادلة؟! وهل كان ممكناً لقوس ونشاب الهنود الحمر في الأمريكيتين أن ينتصر على السلاح الناري الذي حمله الأوروبيون غزاة أوطانهم؟!
دراساتي عن الصهيونية وعن نشاطها في فلسطين أفهمتني جيداً تعريف حزبنا لها كحركة البرجوازية اليهودية الأوروبية في بداياتها، ومن ثم الأمريكية الأوروبية حتى أيامنا.
منشأها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يدل عليها كفصيل من فصائل الإمبريالية الإستعمارية التي تصاعدت في أوروبا في نفس المرحلة التاريخية، وإذا بحثتم عن جذور مؤسسيها ودعاتها، تجدوهم أوروبيين فقط.
لو لم تكن فلسطين بموقعها الجغرافي جارة لقناة السويس لما إختارها الصهيونيون هدفاً للغزو، وموقعاً لتوطين من سيضللون بإسم الدين والحق التاريخي على أرض الميعاد، فكم بالحري بعد إكتشاف الذهب الأسود في المنطقة التي هي قلبها؟
لو كان الدين والحنين إلى أرض الميعاد هو الدافع للهجرات التي نظموها من أقطار شمال أفريقيا والمشرق العربي فلماذا لم تقم هذه الحركة أيام كانت فلسطين ولاية في الإمبراطوريات الغربية منذ فتوحات الإسلام وحتى نهاية الإمبراطورية العباسية؟ ولماذا لم تقم في القرن السادس عشر أو السابع عشر، أو الثامن عشر وحتى منتصف التاسع عشر، عندما كانت فلسطين ولاية في الإمبراطورية العثمانية؟
في كل تلك العصور كانت الطرق مفتوحة أمام سكان تلك الإمبراطوريات دون حدود وجوازات سفر، فلماذا لم يهاجر خلال تلك القرون يهود اليمن ومصر ومراكش والجزائر وتونس وليبيا، والعراق وسوريا ولبنان، إلى فلسطين- أرض الميعاد؟ ألم يهاجر الرابي موسى بن ميمون من الأندلس مخترقاً كل الشمال الأفريقي حتى حط رحالة في القاهرة دونما أي حرج؟
والوضع في فلسطين كان خلال تلك العصور عادياً لمواطنيها الذين على دين موسى، لا يطالهم أذى غير ما يطال باقي إخوتهم وشركائهم من أهلها العرب الذين على دين محمد أو على دين المسيح، وقد عاشوا إلى جانب إخوتهم وشركائهم هؤلاء في القدس والخليل، وفي طبريا وصفد، وفي يافا وعكا، وفي بعض القرى مثل البقيعة وكفرياسيف بنفس ظروف الحياة التي عاشها أهلها الآخرون ولم نسمع من أجدادنا. ولا قرأنا عن مذابح وعداوات تجاه اليهود خلال تلك القرون في وطننا.
فقط بعد أن جاء أرباب المال الصهيونيون وإشتروا الأراضي وطردوا أهلها منها، وجاء الإنجليز وحكموا بلادنا بالحديد والنار، نشأت الكراهية وجرى تنظيم الإقتتال والمذابح.
كذبة كبرى مررتها الصهيونية كحركة للرأسمال الكبير، الفجعان إلى الربح، تحت غطاء "إنقاذ اليهود من الإضطهاد".
فلو لم تكن الصهيونية حركة من حركات الرأسمال هذا، فلماذا ركزت نشاطها الأساسي للتهجير على يهود الإمبراطورية القيصرية الروسية التي كانت تتبلور وتفور فيها الحركة الثورية ضد نظام الإستبداد الإجتماعي والقهر القومي، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين أليس لإضعاف الحركة الثورية تلك التي كان لكثير من اليهود الروس دور هام فيها؟
ولو كان ما يهم الصهيونية هو إنقاذ اليهود من الإضطهاد فلماذا عادت الشيوعية التي قادت الثورة التي أطاحت بنظام القيصرية الذي إضطهدهم؟ ولماذا عادت الإتحاد السوفياتي قاصم ظهر النازية لاحقاً؟ ولماذا هبّت بكل زعاماتها وزعانفها ووسائل إعلامها تدافع عن أناطولي شيرانسكي اليهودي السوفياتي عميل إستخبارات أمريكا- السي أي إيه- من "ظلم" النظام السوفياتي، بينما في نفس الوقت ملأت أفواهها ماءً تجاه اليهودي المراكشي الشيوعي إبراهام تسرفاتي، الذي إعتقله نظام الإستبداد الملكي وعذبه ولاحقه ونفاه لسنوات تزيد على العقدين؟! ولماذا عادت وتعادي كل نظام وطني أو تقدمي وكل حركة وطنية أو تقدمية في أية بقعة من بقاع عالمنا الواسع؟ ولماذا عرضت وتعرض إمكانياتها كسيف للإيجار، لأعداء تلك الأنظمة وتلك الحركات؟
تلك هي الحركة الصيونية في حقيقتها وجوهرها، وشعبي العربي الفلسطيني هو ضحيتها الأولى والبارزة، ولكن ضحاياها أكثر وأوسع، وليس فقط من العرب، وفي مقدمة هذه الضحايا مئات الألوف، ومن ثم الملايين، الذين إقتلعتهم من أوطانهم الأصلية بشتى الوسائل والأساليب وجلبتهم إلى فلسطين، وإلى إسرائيل بعد قيامها، ليس لإستثمار كدحهم فقط، وإنما لإستغلال دمهم ودم أبنائهم في عدواناتها لتوسيع مجالات ربحها، وهكذا ستواصل ما دامت ظروف عالمنا، ومنطقتنا بشكل خاص، تساعدها على المواصلة.
إن القضية التي تواجه الثوريين، ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين، هي كيف يعملون لإيقاف تقاتل ضحاياها فيما بينهم، ولتحويل حراب هذه الضحايا إلى صدرها وصدور شركائها في الظلم الطبقي عتاة رأس المال- أعداء كل الشعوب.
خرجت جماهير الأقلية العربية من أحداث يوم الأرض بنفسية من الحماس والتحدي أعلى مما كانته عشية ذلك اليوم العظيم، فالثمن الذي دفعته في ذلك اليوم من شهداء وجرحى ومعتقلين- لم يفت بعضدها كما أمل الجلادون، بل زادها نقمة على السلطة الإضطهادية وأحزابها وعملائها.
وفي نفس الوقت كانت تجري على الأرض اللبنانية أحداث جسيمة تزيد نقمتها تأججاً. فقد نجح حكام بلادنا وشركاؤهم الأمريكيون بإشعال نار التذابح والحرب الأهلية، في ذلك البلد الذي كان يبدو آمناً، وطالت هذه النار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتجمعاتهم فيه، وبلغت ذروتها في مذبحة تل الزعتر.
تلك الأحداث كانت تثقل قلوبنا فالنار التي أشعلها عملاء حكام بلادنا وشركائهم كانت تأكل شعبين شقيقين، كل منهما ضحية.
مواقف حزبنا في أحداث يوم الأرض، ومواقفه من الأحداث في لبنان، وسعت ورفعت من تقدير جماهير الأقلية العربية له. وغداً ملموساً بشكل غير مسبوق إتساع تأييدها لسياسته. وفي هذا الجو، بدأ الحزب في نهاية صيف 1976، يعد لعقد مؤتمره الثامن عشر الذي كان مقرراً عقده في نهاية تلك السنة.
وفي هذا المؤتمر طرحت اللجنة المركزية في تقريرها إلى مندوبيه فكرة ومهمة إقامة جبهة ديمقراطية، يهودية عربية، للسلام والمساواة والتقدم الإجتماعي.
ولم تصدر اللجنة المركزية في طرحها هذا عن تمنيات، وإنما عن وقائع جديدة كانت قد غدت ملموسة في واقع الحياة السياسية والإجتماعية، فإنتخابات بلدية الناصرة في كانون الأول من العام السابق، وتبلور لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية برئاسة حنا مويس، رئيس مجلس الرامة المحلي وأحداث يوم الأرض. وقيام لجنة الدفاع عن الأرض، أبرزت قوى وطنية تقدمية غير حزبية بين الجماهير العربية، مستعدة للعمل المشترك مع الشيوعيين وبشكل مثابر. وبين الجماهير اليهودية كانت قد نشأت وتطورت حركة "الفهود السود" التي عبّرت عن سخط الفئات المسحوقة، وخاصة بين اليهود الشرقيين، على النظام السياسي الإقتصادي المسيطر. كما تبلورت حركة يسارية بين هذه الجماهير كان في صلبها عناصر ممن إنشقوا عن الحزب في 1965، وبعضهم كانوا قد إستخصلوا النتائج وعادوا إلى صفوف الحزب أو لتأييده.
وقد أقر المؤتمر هذه الفكرة بعد مناقشتها، ووجه نداءً إلى قوى السلام والديمقراطية من أبناء الشعبين إلى التوحد في إطار جبهة ديمقراطية للسلام والمساواة.
في 1977 تمكن الحزب من تجسيد قرار مؤتمره الثامن عشر بإقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وأن يخوض الإنتخابات البرلمانية في تلك السنة بقائمة مرشحين حملت إسمها، ضمت إلى جانب قيادييه مرشحين من خارجه، أحدهم ممثلاً عن حركة الفهود السود والثاني عن رؤساء السلطات المحلية العربية، ضمن مرشيحها الأوائل.
وفي هذه الإنتخابات حصلت قائمة الجبهة على أكثر من نصف أصوات الناخبين العرب قطرياً. وكانت فرحتي وفرحة رفاقي في كفرياسيف مضاعفة، فقد منح ناخبو قريتنا ثلاثة أرباع أصواتهم لقائمة الجبهة.
بعد هذه النتائج المنعشة في الإنتخابات البرلمانية، بدأت منظمات حزبنا في شتى المواقع، وخاصة بين الجماهير العربية، نشاطها لإقامة جبهات محلية، وكانت قريتنا! إحدى هذه المواقع الأمامية التي نضج الوضع فيها لإنجاز هذه المهمة، فقد كانت تجربتها الرائدة في العمل المشترك، الجبهوي، بين الشيوعيين وكتلة يني يني وغير الحزبيين منذ منتصف الخمسينيات وحتى بداية الستينات، ما زالت في ذاكرة جماهيرنا. وعبرت بعدها في 1975 تجربة جديدة وناجحة حملت إسم "لجنة اليوبيل الأهلية" التي ما زالت نشيطة. فبادر فرع الحزب إلى الدعوة لإقامة فرع للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. ولبت لجنة اليوبيل هذه الدعوة. وكانت قد تنقّت خلال السنتين والنصف من نشاطها من عناصر متسلقة لا تتقن سوى جعجعة الكلام.
فوضعنا، فرع الحزب ولجنة اليوبيل خطة للعمل، ووجهنا نداءً إلى العناصر الخيرة في القرية. من خارج التنظيمين للإنضمام إلينا كشركاء في تأسيس فرع للجبهة. ولبى العشرات منهم النداء. وأسميناهم مجموعة المستقلين. ووضعنا ميثاقاً يتضمن أهدافنا المحلية على ضوء أهداف الجبهة القطرية الأم، ووقعه كل المتفقين من المجموعات الثلاث على إقامة فرع الجبهة.
بقي أن أذكر أن تحول الأقلية العربية في إسرائيل إلى كتلة بشرية ديمقراطية نشطة، كما جسدته أحداث يوم الأرض ونتائج الإنتخابات البرلمانية التي تلته، بات أمراً مقلقاً لسادة الحكم في الدولة ولشركائهم في الإدارة الأمريكية وزعانفها في المنطقة. فتبني أغلبية جماهير هذه الأقلية للبرنامج السياسي الذي طرحه الحزب الشيوعي وشركاؤه في الجبهة الديمقراطية حوّلها إلى سند جدي للقوى الديمقراطية والعقلانية في شعب الأكثرية الطامحة مثلها إلى تحقيق السلام العادل في المنطقة. ولتحقيق المساواة والتقدم الإجتماعي في الداخل. وكل هذا يتعارض كلياً مع سياسة ومخططات سادة ا لحكم وشركائهم المذكورين. كما أن النموذج الكفاحي، الذي قدمته هذه الأقلية كجزء من الشعب العربي الفلسطيني، سيعكس أثره على جماهير هذا الشعب الرازحة تحت الإحتلال الإسرائيلي منذ حزيران 1967، وهذا أيضاً يتعارض مع مخططات سادة الحكم وشركائهم.
ولذا كان لا بد لهؤلاء أن يخططوا وأن يفتشوا عن وسائل لضرب هذا التحول- المقلق بالنسبة لهم- في صفوف الأقلية العربية في إسرائيل.
كان يسرائيل كينغ متصرف لواء الشمال، الموكل بصفته الرسمية هذه بالإشراف على إدارة شؤون الأغلبية الساحقة من المواطنين العرب وسلطاتهم المحلية، قد أحس قبل غيره بالنهوض الوطني الديمقراطي بينهم، قبيل أحداث يوم الأرض، وأقلقه. فكتب إلى المسؤولين في قمة الحكم مذكرة (عرفت بعد إنكشافها لاحقاً بإسم "وثيقة كنيغ") طرح فيها خطة لمواجهة وإجهاض ذاك النهوض. وفي مركز خطته تلك إقتراحه بتشجيع عناصر من صفوف الأقلية العربية لإقامة حزب قومي في ظاهرة (قومي عربي طبعاً!) تكون وظيفته مكافحة نفوذ الشيوعيين، بينها. وكذلك اللجوء إلى وسائل أخرى تفتت الوحدة الكفاحية لهذه الأقلية.
ولم تبق إقتراحات كنيغ هذه صرخة في واد، وبعد سنوات كانت تنهض على أرض أقليتنا القومية مجسدات لهذه الإقتراحات، وسأحكي لك عن ذلك لاحقاً، فالأمور مرهونة بأوقاتها.
ولكن علي أن أسجل هنا أن في السنة التي تلت أحداث يوم الأرض تعطف سادة الحكم في الدولة وفتحوا أمام العرب المسلمين، المصادرة أوقافهم منذ العام 1948، أبواب الحج إلى مكة في السعودية، وكانوا قد فتحوا أبواب الحج إلى القدس وبيت لحم أمام المواطنين العرب المسيحيين قبل إحتلالهم لهما بسنين عديدة. وفي الحالتين، السابقة واللاحقة، كان لهم مآرب شتى- أكثر من مآرب عصا موسى- ليس للدين والإيمان حصة فيها.
وفي نفس الوقت بدأت تنفتح "صناديق" لمساعدة الأقلية العربية هذه، وللدراسات عنها.
وكل هذا طبعاً دون أن تستغني السلطة الإضطهادية عن وسائلها المعروفة، من قمع وملاحقة وإغراءات وترهيب تجاه مقاومي مظالم سياستها، فبالنسبة لنا، نحن الشيوعيين، وخاصة نشيطينا، إستمر تحديد حرية تنقلنا كما كان أيام الحكم العسكري المكشوف. فرغم أن هذا الحكم كان قد إنتهى في 1966، فقد فرض أسياد البلاد على العديد منّا، وكنت واحداً من هؤلاء، أن نتزورد بتصاريح سفر إلى أي مكان خارج المنطقة العسكرية "ط" التي كانت تضم معظم الجليل. وكان عليّ أن أحصل على تصريح كهذا من مركز الشرطة في عكا عندما أحتاج للسفر إلى حيفا أو إلى تل أبيب أو سواهما. وقد حولوا صلاحيات الحكم العسكري في هذا المجال إلى " قسم المهمات الخاصة" في الشرطة. وقد إستمررت بهذا الحال حتى أواخر السبعينات. ورغم صيرورتي رئيساً لسلطة محلية فإن أمر حظر السفر عليّ إلى المناطق المحتلة إستمر حتى منتصف الثمانينيات، وإستثنوا منها القدس العربية وهضبة الجولان بعد ضمها "رسمياً" إلى إسرائيل.




