يوم الأرض في كتاب "قلب تعمد باللظى

توفيق حصري

أحدث المواد

يوم الأرض 1976 التحول 

انتشر الرفاق صبيحة الثلاثين من آذار في جميع مداخل أم الفحم ووزعنا الورود، فكانت الاستجابة تفوق الوصف. وخرج للعمل من أم الفحم ذلك اليوم أقل من 5% من العمال ومعروف أن أم الفحم بغالبيتها هي من العمال، إذ صادرت السلطات الإسرائيلية أكثر من 80% من أراضي أم الفحم. في العاشرة صباحاً وقت انطلاق المسيرة وصلت لساحة الميدان حافلة فيها بضع عشرات من رجال الشرطة، وانهمرت جماهير المتظاهرين إلى الساحة كالسيل العرم وخلال وقت قصير كانت الساحة تزخر بالجماهير، وقد أحاطوا بالحافلة ومن فيها من الجند. ذهل قائد الجند فنادى بأعلى صوته: أبا العفو أبا العفو حافظوا علينا، فقال له أبو العفو: غادروا أم الفحم خير لكم ولنا، وفعلاً غادروا. وكان هناك أيضاً جيب عسكري فيه أربعة جنود يحملون بنادقهم، ولكنهم لم يترجلوا. فتوجهت الرفيقة وجيهة سعيد لسائق الجيب وقالت له بكل شجاعة: جئت لتطلق النار علينا؟ (وكان الجنود من البدو) . وكان هناك بوستر معلقاً على الجدار لامرأة بدوية رافعة يديها وتقول: أين الحق وأين العدل؟. وقال شرطي وهو من بدو الشمال: سأطلق النار على رأسي ولن أطلق رصاصة على المتظاهرين هم أهلي وأنا منهم، وانصرف الجيب ومن فيه، ولكن يا لشدة الأسف. كان أحد العملاء يقف قريباً من الساحة، أخذ يقذف الزجاجات الفارغة نحو الجنود، فأبعد فوراً وحماه الرفاق من المتظاهرين. طافت المظاهرة شوارع أم الفحم وانتهت في ساحة مدرسة ابن سينا في المحاجنة، وألقيت هناك الخطابات وتفرق الجمع.

وعدت مثل غيري للمقهى، وبعد أقل من ساعة، إذ بالرفيق رشاد عبد الهادي، جاء إلي وهو يقول: أن مجموعة من الشباب اليافعين تتجمع لينزلوا إلى الشارع العام عند مدخل أم الفحم لإلقاء الحجارة على السيارات المارة، وكانت الشرطة تنتشر على سفوح التلال المحيطة بمدخل القرية. كان من الخطر أن يشتبك أولئك الشباب مع الشرطة، وهم قلة قليلة. بادرنا أنا ورفيقي رشاد فاستدعينا عدداً من الرفاق، وكانت لي سيارة بيجو طندر صعد إليها الرفاق وقدتها متجهين نحو مدخل القرية، أدركنا الشباب قبل أن يصلوا حيث تجمع الجند، فلما رأونا الشباب تسلقوا سفح الجبل وبدأوا بشتمنا ونعتنا بالخونة فقلت: يا شباب تظاهرنا وعبرنا عن رغبتنا فلماذا نلقي الحجارة على السيارات المارة؟ شتمونا فصار الأمر جدياً، فرقناهم بالقوة وكان أن ضربت أحدهم وأنا لا أعرف من يكون ولا ابن من. انتهى المشهد وتجنبنا الصدام وعدنا إلى وتيرة الحياة والعمل. في صبيحة أحد الأيام وأنا في المقهى، سمعت من نشرات الأخبار أن انفجاراً في أحد الفنادق في إيطاليا أودى بحياة المناضل الكبير الأخ ماجد أبو شرارة، أذهلني ما سمعت، وأخذت أحدث الحاضرين عن ماجد أبو شرارة، ذاك الرجل الدمث الأخلاق، وقلت إنني قابلته في موسكو وشاركته احتفال يوم الأرض. وأصدقكم القول إني كنت متأثراً جداً، لأنني أتحدث عن رجل يتقدم الصفوف الأولى في منظمة التحرير الفلسطينية، وله باع طويل في ساحات النضال. وإذ بأحد العملاء المعروفين وقد عمل شرطياً منذ اليوم الأول للاحتلال في دوائر الحكم العسكري ومن ثم منح رخصة سيارة عمومية (تاكسي)، قاطعني قائلاً: أن هؤلاء قتلة ومجرمون (يقصد ماجد أبو شرار ورفاقه).

كان في حضن غانية وعوقب على ذلك. أغضبني هذا القول كثيراًولكن تمالكت أعصابي وقلت بهدوء: لو كان الأمر كذلك لهيئوا لهم هذا الأمر، ولكن لشجاعة هؤلاء القادة، أي ماجد ورفاقه في النضال والعمل لأجل القضية الوطنية الفلسطينية فهم هدف للاغتيال. انظر ما أجابني ذاك العميل، قال: أن الدكتور عفو تعلم الحدادة في مدرسة أورط مع ابنه ولكن الاتحاد السوفيتي أراد أن يجعل من عفو محمود الحصري طبيباً. فقلت متسائلاً وأنا أخاطب الجمهور: اسمعتم؟ ما الرابط بين ما ناقشناه من ذلك الحادث الجلل وبين كون عفو محمود الحصري طبيباً؟ ما العلاقة بين الأمرين؟. وقلت بصوت عالٍ: أن الجيل الأول من دار الحصري زرع، والجيل الثاني اعتنى بالزرع ونماه وحماه أما الجيل الثالث فأطباء ومهندسون ومحامون وقادة سياسيون في مقدمة شعبهم ومناضلون. اسمع يا هذا على هذه الصخرة تحطمت قرون كثيرة، فليأكل الحقد قلبك وليعمِ اللؤم بصرك، القافلة تسير ولا يهمها نباح الكلاب. اخرج من هنا ولا تعد مرة أخرى. وهكذا كان، بعد أقل من أسبوع وأنا أعمل بالمقهى وإذا بذاك الشاب الذي شتمني ولطمته يدخل المقهى معتذراً ونادماً جداً، وقال: عمي أبو همام كان من حرضنا للذهاب للشارع العام. عرفني الشاب بنفسه وإذا به أحد أبناء أعز الأصدقاء، ومن مؤيدي الحزب الشيوعي.