كتب وفصول عن يوم الأرض

يوم الأرض في كتاب مقالات المحامي عبد الحفيظ دراوشة

المحامي عبد الحفيظ دراوشة

أحدث المواد

دم الثلاثين من أذار وسياسة نم لأذبحك

"خلي الدم الغالي يسيل ان المسيل هو القتيل

هذا الدم المطول يختصر الطريق به الطويل

هذا الدم المطول ان عز الكفيل هو الكفيل

ان يسترد به الأسير وان يعز به الذليل

خلي الدم الغالي يسيل ضوءا ينار به السبيل

غدرا يقوم على الطغاة السافحين به الدليل

خلي الدم الغالي يسيل فالبغي مرتعه وبيل"

هذه الأبيات يا بني لشاعر وطني عراقي قضى معظم حياته في المنفى واسمه محمد مهدي الجواهري.

ان الذين سفكوا وأسالوا دم أبناء شعبنا في سخنين وعرابة ودير حنا وكفركنا وفي الطيبة والطيرة وفي أماكن أخرى – انما قتلوا أنفسهم هم. إن شرهم سيكون وبالا عليهم. إن الذي امتنعنا عن نطقه والجهر والمناداة به قالته وجهرت به بصوت ملأ الدنيا، قوى الشر والبغي. فالجاهل الظالم يقع أحيانا ويورط نفسه دون ان يوقعه أحد. إن الرصاص الذي دوى في المثلث وفي الجليل يوم الثلاثين من آذار وقتل وأصاب العشرات من شعبك هو نفس الرصاص الذي يسقط به كل يوم تقريبا أخوتك في الضفة والقطاع. رصاص الأغبياء هذا لم يقرّب المسافات الجغرافية، بل وقرّب المسافات الزمنية وازالهما. تصور یا بني أن المضربين هم من تل أبيب أو العفولة أو من كرمئيل - فهل كان الحاكم الظالم هذا سيطلق عليهم رصاصة ويقتل ويصيب العشرات منهم؟ إن ما حدث في يوم الأرض من بطش العساكر المجلوبة بالمجنزرات والمدججة بأدوات الفتك سريعة الطلقات لا يمكن أن يحدث بين حاكم ورعيته أو مواطنيه. وما يزيد من بشاعة جريمة حكام بلادنا كوننــــــا مواطنين قمنا بإجراء احتجاجي وسلمي فقط.

سياسة السلطات المتبعة نحونا هي يا بني، كالمثل القائل: «نم لأذبحك»، فهي تستكثر على المذبوح «التزعفل» والتحرك والصراخ والتألم. فسلبها للبقية الباقية من أرضك – والذي لا يقل عن عملية الذبح – يجب أن يمر بهدوء تام، وتعتبر صراخك عرقلة لعملية الذبح واضرابك ازعاجا لإجراءات المصادرة والنهب التي تتم طبقا للقانون الإسرائيلي وهكذا، ولأننا «دولة قانون»، فما عليك إلا ان ترضخ لحدة الذابح وان لا تتحرك. كن «إيجابيا» ولا تتألم فالسكين ماض أغمض عينيك وتجمد أو تمتم بالدعاء لي، وان شئت ارقص طربا لا ألما فبوق الاذاعة وشاشة التلفزيون مفتوحة للإيجابيين، ليرقصوا طربا.

الايجابي يا بني في عرفهم لا يتألم من هذه العملية ولا يتوجع. والمتألمون انما يحرضهم الشيوعيون على التألم والصراخ.

وأكثر من ذلك يا بنى، فعندما يسقط الضحايا برصاصهم ويدفنون فلا يجوز لك الصلاة عليهم ولا أن تقرأ الفاتحة على أرواحهم. فقط قبل أيام اعتقل البوليس اخوة لك من قرية صندلة لأنهم تجرأوا على الوقوف في ملعب كرة القدم دقيقة حداد على أرواح الشهداء. كما لم تكتف السلطات بالقتل والجرح وسفك الدماء، بل قامت باعتقال المئات من أبناء شعبنا بتهمة عدم الانصياع لأوامر «نم لأذبحك» ولصرف الأنظار عن جريمتهم المروعة. ولقد رأيت من رأيت وهم يقفون أمام قاضي محكمة صلح الناصرة ويكشفون عن آثار التعذيب في أنحاء مختلفة من أجسامهم، تماما كما كنت أرى أبناء شعبك في الضفة والقطاع عند الاعتقالات والمحاكمات. فها قد وفّر لك الحاكم الغبي الطائش دليلين آخرين من عنده ليضيفهما الى القاسم المشترك الأعظم وهما الرصاص خارج السجن والضرب والتعذيب داخله!!

ليتني، يا بني، أكون مخطئا في تقديري لإبعاد عملية البطش المروعة. لقد اشتركت في التحقيق مع اللجان الشعبية، وسمعت شهود العيان. وما نقله البعض لي وحدي كان كافيا ليدخل حكام بلادنا سجلات كتب التاريخ السوداء.

ليت ما شهدناه ناتجا عن عدوى البطش والنزق التي تصيب المحتلين عادة. فقد طال احتلال حكام بلادنا عبر ما يسمونه «بالخط الاخضر» ولعلهم أصيبوا بعدوى «بطش المحتل» الذي ينفجر وينتابهم فتكتوي بشرّهم كل قرية عربية ولو كانت إسرائيلية بدون وعى أو تمييز – نعم ليتني أكون مخطئاً!

إنك ولا شك يا ولدي سمعت وقرأت ما قاله الحكام وتبجحوا به من ان البوليس وقوات الحدود المجلوبة قد كانت في كل المواقف «في حالة الدفاع المشروع عن النفس». إن جرم الكذب أقل خطورة وفظاعة من جرم قتل الأبرياء العزل. ومرتكب الكبائر يسهل عليه ارتكاب الصغائر، ومرتكب الجرم الشنيع يسهل عليه ارتكاب الجنحة البسيطة. وقد قيل: «المبلول لا يخاف رش المطر». وبحسب القانون الإسرائيلي فان الجرم الكبير يبتلع الجرم الصغير. ولا يقبل يمين المجرم لأنه كاذب «لا يمين المجرم فإنه حانث». إن شعبنا ومعه جميع اصحاب الضمائر الحية يتهمون بارتكاب جريمة القتل المتعمد وبالدم البارد والتحضير لهذه الجريمة وبسبق اصرار بحق ستة أبرياء عزّل وجرح وإصابة العشرات. إن دفاعهم مردود عليهم ومرفوض من أساسه وهو دفاع يكاد يكون أقبح من الجرم نفسه، فإن هو دل على شيء فإنما يدل على إصرار الظالم على ظلمه وغيه واستمراره في جنايته. فأين الدفاع عن النفس من مطاردة الصبي محسن امارة في كفر كنا حتى المدرسة وقتله بالرصاص هناك؟! وقتل الشاب خير محمد ياسين من عرابة برصاصتين في رأسه، وقتل الفتاة خديجة قاسم شواهنة برصاص في كتفها أمام بيتها في قرية سخنين حيث كانت تعود لتوّها بعد أن خرجت لإحضار أخيها الصغير من الشارع، وكذلك قتل الشاب خضر عبد خلايلة بالرصاص في رأسه. ثم لماذا أدخلت كل هذه القوات لقرانا وللناصرة لو لم تكن مبيته على القتل؟! أما تبجحهم بالقانون، فحكامنا يهاجمون ليدافعون. وهكذا قاموا باعتقال المئات لذرّ الرماد بالعيون ولتضليل الرأي العام ولطمس آثار الجريمة الصارخة. ومحاكمنا رضى الله عنها كثيرا ما تستجيب لطلبات التوقيف الانتقامية الخبيثة وحتى خارج قاعة المحكمة وفى ساحات السجن. وتحضرني حكاية صغيرة عن ثعلب وأرنب تخاصما بينهما، وذهبا الى أبي الحسن (الذئب) ليحتكما عنده فوجــــــداه في مغارته، ولما طلبا اليه أن يخرج ليحكم بينهما رفض الخروج من «قاعته» وقال الحكمة المأثورة: «في بيته يؤتى الحكم».

لقد عودَنا حكام بلادنا أن نفهم عكس ما يقولون، وكأنهم اعطوا للمفردات عكس معانيها وألفوا معجما لهم ظاهره الرحمة وباطنه الإجرام والفساد. فكلمة «تطوير» تعني نهب أرضك وتطييرك منها. وكلمة «أمن» تعنى قتلك أو قتل حريتك ليأمنوا. وكلمة «سلام» فيستعملونها كثيرا وهي أكثر كلمة شائعة عندهم، «طعما» «لاصطياد» السلام الحقيقي واغتياله وقتله. فهذه الكلمة عندهم وبلغتهم أصبحت «قوادة» لذبح السلام الحقيقي.

یا بني، إن سياستهم تستحق الإعدام. إن الأرض غالية. إن من لا أرض له لا وطن. إن أرواح الشهداء خالدة كالجبال الشامخة الراسخة تشدنا للأرض وتربطنا بها جيلا بعد جيل وللأبد.

في دولة «حكم القانون»

قبل أيام اجتمعت وأصدقائي المحامين: حنا نقارة ودياب خوري ووليد خليلية مع أهالي قرية عين ماهل المنكوبة في أرضها.

لقد رأيت في وجوه فلاحي القرية وفى جباههم المرسمة بالأخاديد وفي أيديهم الخشنة المشققة خارطة مجسمة لأرض القرية بجبالها ووديانها بتلالها وسهولها. هذه هي الوجوه السمر المعروقة وهذه هي الأجسام المنهكة من هذه الأرض التي يحاول وزير المالية انتزاعها بجرّة قلم. لشدّ ما كان الكل حزينا كئيبا غاضبا. بل يكاد يتفجر غيظا ويتمزق ألمًا. قلت في نفسي: إن من ينتزع أرض هؤلاء الفلاحين فإنما ينتزع قلوبهم وأرواحهم. فأرضهم هي قلبهم وروحهم وحياتهم!

في قرية عين ماهل يصل السلب حتى زاوية البيت تماما هذه القرية المروعة اليوم بالمصادرة يبلغ عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، «وحكومة دولة القانون»تنوى حصرهم داخل جدران بيوت القرية وأزقتها كمخيم اعتقال محكم السياج! أحد المجتمعين قفز من مكانه ملتفتًا الى الرفيق المحامي حنا نقارة صائحا: «يا أبا طوني الأرض أغلى من الابن»!

وقال آخر: «في الأعراس اعتدنا أن نهزج: يا عيشه بالذل ما نرضى لها وجهنم بالعز أحسن منزل.. سنطبق ذلك بالفعل. ان من لا أرض له لا عرض ولا وطن له».

واختتم شيخ عجوز بصوت متهدج: «الله يكبّ شرهم عليهم هذه كبة شر»! 

وأنت عائد من قرية عين ماهل تسير في شارع اسفلت ضيق متهدم متعرج مسافة كيلومتر تقريبا وفجأة يتسع الاسفلت أمامك ويعرض، حيث تبدأ منطقة الناصرة العليا «مدينة البيض» المقامة بأغلبية بيوتها ومصانعها على أرض«الملونين» العرب الذين لا يستحقون بنظر العنصريين حتى إكمال كيلومتر واحد من الاسفلت مقابل كل هذه الأراضي الشاسعة المنهوبة!... إن من لا يستحى يفعل ما يشاء! في قرية عين ماهل لا يوجد أي مصنع أو مشغل بينما على الأرض المنهوبة عشرات المصانع والورش. أهالي عين ماهل يعانون من أزمة سكنية خانقة بينما على أرضهم المسلوبة تقوم مئات الوحدات السكنية الشاغرة لا يسمح لهم لا بشرائها ولا باستئجارها. وضع قرية عين ماهل وحالتها لا يختلف بشيء لا عن جارتها الناصرة ولا عن بقية القرى العربية. فكلها تتمتع بتطبيق مبدأ المساواة في التمييز والظلم! ويُسأل السؤال: أين هي دولة القانون (مدينات حوك) التي يتبجح بها الصهيونيون؟ كانوا يقولون لنا تضليلا: «صوت جدتك الأمية الكسيح يوازى صوت غولده مئیر، وصوت حسين الديك راعى أعجال القرية، يوازى صوت بن غوريون. أليست هذه دمقراطية»؟! وكانت النتيجة دائما: سن قوانين عديدة لمصادرة أرض العرب وللاستيلاء عليهاوتطبيق أنظمة الطوارئ، وصدور قوانين الجور المتعددة كقانون الجنسية، وقانون أموال الغائب وغيرها وما تزال تعاني من تطبيق مشوّه لمعنى الدمقراطية منذ قيام الدولة.

لقد رأينا مؤخرا حكومة إسرائيل تقرر أن تغزو ما تبقى للعرب من أرض في الجليل ولأنها في «دولة القانون» فهي تسند هذا الغزو «وتعنونه» باسم: قانوناستملاك الاراضي (الاستملاك للمصلحة العامة).

وطبعا ففي مفهومها العنصري لا يدخل «الملونون» العرب تحت تفسير«المصلحة العامة». وكلمة «العامة» لا تشمل الاقلية العربية!!

إن كافة الاجراءات التعسفية التي طبقت على الأقلية العربية في إسرائيل منذ قيام «دولة القانون» وإلى اليوم، سواء أكانت متعلقة بمصادرة الاراضيالعربية أو بترحيل السكان العرب وبهدم قراهم أو بتطبيق مناطق البناء ومساحاته وبهدم البيوت، كانت كلها مخالفة لمبادئ العدالة والإنصاف والمساواة وتجسيمًا واضحًا لعدم احترام إرادة أقلية عربية يبلغ تعدادها نصف المليون تقريبا.

إن الترتيب أو النظام القانوني وشبه الدستوري القائم لا يضمن لنا بصفتنا أقلية حتى حقنا في البقاء في أرضنا. ومن الخطأ الفاحش، بـل ومن التضليل المأساوي والإجرامي ان يظن المرء بأننا نعيش في «دولة القانون» وفى ظل «الدمقراطية». فهذه القوانين الجائرة والقرارات الظالمة التي يستندون عليها فيسلبوننا أرضنا وحرياتنا تتخذ وتسنّ لأهداف عنصرية ضد أقلية عربية لا تملك القدرة البرلمانية لمنع سنها وتشريعها.

وعليه فإن قوانين المصادرة مخالفة لأسس الدمقراطية الحقة. وتعتبر تشويها لوجه الانسانية التقدمية كما انها تسويد لوجه حكومة إسرائيل. وبالتالي فهي أشبه بشريعة الغاب حيث يفترس القوى الضعيف وتظلم الاغلبية الاقلية. وعلى حكومة إسرائيل ان تعرف باننا نحب وطننا وأرضنا ونحب أولادنا ولغتنا ونصون كرامتنا القومية ونحس بالم شديد يعتصر قلوبنا عندما نرى الخسف والظلم القومي يحل بشعبنا. فالمبدأ الانساني يقول: «إن شعبا يظلم شعبا آخر لا يمكن أن يكون حرا». وابن الخطاب يقول: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».