يوم الأرض هو يوم الإضراب العام للجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل وذلك في الثلاثين من آذار عام 1976. وهو يوم الصدام الكفاحي الأبرز مع سياسة إسرائيل الصهيونية العنصرية إزاء المواطنين العرب وأرضهم. لقد صنعنا مأثرة "يوم الأرض" بعد مرور 28 عامًا على نكبة الـ 48.
لكن لن أتطرق في هذا التدوين لمذكراتي لكل قصتنا مع الأرض وسلبها ومصادرتها وتهويدها من قبل إسرائيل، ولا لكل أحداث يوم الأرض. فالأمر معروف ونُشرَت عنه العديد من الأبحاث والمؤلفات. سأكتفي باستعراض تجربتنا وممارساتنا الكفاحية التي صنعت هذا اليوم المشهود في تاريخنا، مع التركيز على تجربتنا المحلية في طمرة.
شهد مطلع عام 1975 تصعيدًا إسرائيليًا في وضع مخططات وإصدار أوامر مصادرات جديدة للأرض العربية. كان أبرزها تلك التي خصّت المنطقة رقم "9" المحاذية لقرى سخنين وعرابة ودير حنا، ولتجمعات العرب البدو من السواعد في وادي سلاّمة والكمانة. حال انتشار الخبر عن هذا المخطط في إطار استكمال مخطط "تهويد الجليل" وسلب القرى العربية من أراضيها، تنادت القوى الوطنية بمبادرة الحزب الشيوعي قطريًا وقوى وطنية محلية من ممثلي تلك القرى إلى التصدي لهذا المخطط.
ينعقد مؤتمر شعبي قطري للدفاع عن الأرض بتاريخ 18.10.1975، تنبثق عنه "لجنة الدفاع عن الأراضي العربية". تعقد هذه اللجنة اجتماعًا في الناصرة بتاريخ 6.3.1976 دعت إليه شخصيات إجتماعية وتمثيلية عربية من مختلف بلداتنا. يتقرر في الاجتماع إعلان الإضراب العام للمواطنين العرب في البلاد دفاعًا عن الأرض في الثلاثين من آذار.
حال انتشار الخبر عن قرار الإضراب، تنفلت الحكومة الإسرائيلية والشرطة ووسائل الإعلام الصهيونية بحملة تحريض وتخويف وترهيب بحق العرب، مع التركيز على الحزب الشيوعي "المتطرف" وحلفائه الذين يريدون "تعكير صفو العلاقات بين اليهود والعرب"(؟!). ويجري تجنيد حتى قيادة "الهستدروت" ، النقابة العامة للعاملين، فتصدر تهديدات بفصل العمال العرب من العمل إذا ما أضربوا. كذلك يتم تحذير التجار وأصحاب المشاغل والمصالح الخاصة والموظفين والمعلمين العرب بعقوبات ومضايقات إذا ما جرؤوا على الإضراب.
تطوف دوريات الشرطة وحرس الحدود في البلدات العربية وتكثف من تواجدها فيها. يظهر وكأنّ الدولة تعيد الحكم العسكري على العرب وتشن الحرب على مواطنيها. وتقوم أيضًا بتجنيد عملائها والمتعاونين معها من العرب للتحريض والتهديد في بلداتهم ضد الإضراب. وتتوّج كل هذا بإجتماع عام لرؤساء السلطات المحلية العربية في شفاعمرو بتاريخ 25.3.1976 بهدف اتخاذ قرار فيه يدعو إلى عدم الإضراب.
لكن كل الإجراءات والممارسات الإسرائيلية القمعية والتخريبية لم تفد. كان الإضراب عامًا وجماعيًا، رغم التواجد المكثف للشرطة ولحرس الحدود في بلداتنا وانفلاتها في إطلاق الرصاص واستخدام العصي وقنابل الدخان والغاز ولجوئها إلى الاعتقالات لإفشاله. لقد كان الإضراب صرخة شعب قرّر أن يتصرف كشعب حتى يحقق حقوقه بصفته شعبًا. سقط ستة شهداء وأُصيب العشرات واعتُقل المئات. لكن الذي سقط وأُصيب واعتُقل حقًا هو مخطط المصادرة وجهاز القمع والإرهاب السلطوي.
مَنْ الذي خطط للإضراب وقرّره وقام بإنجاحه؟ يحق لي اليوم، بعد مرور 42 عامًا على يوم الأرض، أن أكشف المستور المعلوم لا من باب التفاخر والنظرة الحزبية الضيقة، وإنما من باب استخلاص العِبر من تجربة نضالية ماضية، لإنجاح نضالاتنا الحالية والمستقبلية.
كنتُ في عام 1976 محترفًا متفرغًا للعمل السياسي في منطقة الناصرة الحزبية، ومسؤولاً عن قطاع شفاعمرو فيها بعدة بلداته. وبحكم عملي هذا كنتُ مطلعًا على قرارات الهيئات العليا للحزب الشيوعي بما فيها المركزية والمكتب السياسي، ومعتمدًا من قبله لضمان تنفيذها في البلدات التي أعمل فيها بما فيها بلدتي طمرة، مع سائر أعضاء الحزب وأصدقائه.
الحزب الشيوعي هو الذي أثار وعمّم جماهيريًا خطر مصادرة الأراضي في المنطقة "9" في الجليل الأسفل، وجعلها قضية لعموم العرب القاطنين في البلاد من أعالي الجليل إلى جنوب النقب، ومن شرقها إلى غربها. وفي المكتب السياسي للحزب بدأ وضع البرنامج لتصعيد التوعية الجماهيرية، بخصوص واجب الحفاظ على الأرض العربية، ومواجهة خطر المصادرة. وفي المكتب السياسي اتُخِذَ القرار بضرورة إقامة لجنة شعبية تمثيلية للدفاع عن الأراضي. وهو الذي قرّر داخليًا، (وأعلم داخليًا قيادات المناطق الحزبية وفروعها)، بأنّ توجّهه هو تصعيد النضالات المحلية والقطرية للوصول إلى إعلان الإضراب العام.
وكان المكتب السياسي للحزب هو الذي بادر إلى إقامة لجنة قطرية للدفاع عن الأراضي. وهو الذي إتخذ القرار بالإضراب العام، وأبقاه سرًّا، قبل أن تتبناه وتعلنه اللجنة. وهو الذي حرص ودأب في كل الأطر واللجان القطرية والمحلية التي أقيمت على أن تشمل في صفوفها القيادية القطرية والميدانية المحلية أكبر عدد ممكن من ممثلي الأطر والقوى الوطنية والشخصيات الإجتماعية اللاحزبية. وفروع الحزب في شتى القرى هي التي حرصت ميدانيًا ومحليًا ليس فقط على العمل وفق قرارات وتوصيات الحزب الداخلية تلك فقط، وانما أيضًا على إقامة لجان محلية للدفاع عن الأرض والعمل على انجاح الإضراب في بلداتها.
الإضراب في طمرة: أذكر أنا المحترف الحزبي للعمل السياسي في منطقة الناصرة وقطاع شفاعمرو فيها، بما فيه بلدتنا طمرة، تلك التوصيات الحزبية. شرحنا للناس في طمرة خطورة مصادرة الأرض في المنطقة "9". لكن فعلنا هذا أيضًا من خلال إثارة أزمات طمرة الخاصة المرتبطة بالأرض وتوسيع مسطّح البناء، وقضايا الزراعة في سهلها. وجنّدنا قوى محلية واسعة من شخصيات اجتماعية وطنية وثقافية ومن فلاحين ومزارعين ومدرسين وطلاب. وشكّلنا لجنة محلية للدفاع عن الأرض ولإنجاح الإضراب في بلدتنا.
انطلقنا ميدانيًا بين مختلف الفئات الاجتماعية على إختلاف انتماءاتهم الحمائلية والمهنية. وتحدثنا مع التجار وأصحاب ورشات العمل الخاصة، وأقنعناهم بضرورة إغلاق محلاتهم يوم الإضراب. وأوليْنا اهتمامنا للعمال والموظفين، لأنّ غالبية هؤلاء يعملون في البلدات اليهودية ومن الضروري إيصال رسالة أسباب وتأثير إضراب العرب إلى مرافق الإقتصاد والمجتمع الإسرائيلي اليهودي والحكومة الإسرائيلية. وأجرى فرع حزبنا وفرع الشبيبة الشيوعية إتصالات مكثفة مع المديرين والمدرسين والطلاب في عموم مدارس القرية.
لأنه بإضراب المدارس وطلابها والمحلات التجارية في بلداتنا، وبإضراب عمالها وموظفيها عن العمل في الوسط اليهودي، ينجح ويتحقق الإضراب العام. والذي اجترح ونظّم هذا الأمر هي القوى الوطنية المحلية بقيادة وتوجيه وتنظيم فروع الحزب الشيوعي محليًا.
كنتُ يومها عضوًا في المجلس المحلي لطمرة في قائمة ليست حمائلية هي قائمة الشيوعيين وغير الحزبيين، إذ نجحنا في الانتخابات المحلية لعام 1973 بالتمثيل بعضو شيوعي واحد في الإنتخابات المحلية، التي يكون تنافس القوائم فيها على أساس حمائلي وعائلي ويكون بعضها، خصوصًا كبيرها، على إرتباط بجهات سلطوية حكومية وحزبية، ومدعومة من قبلها. ينعقد المجلس المحلي بتاريخ 23 آذار 1976، وكان لرئيس المجلس إئتلاف داعم له من 6 أعضاء من أصل 11 عضوًا في المجلس. يحضر الجلسة ضابط من الشرطة (؟!).
حال رؤيتي للضابط اعترضتُ قائلاً: ماذا يفعل وبأيّ حق يتواجد ضابط في جلسة مجلس محلي؟ إني أرى في هذا نوعًا من الضغط على المجلس حتى لا يتخذ قرارًا بتأييد الإضراب. مع أن حق الإضراب شرعي وفق القانون الإسرائيلي، والمطلوب من الضابط أن يُخرج دوريات الشرطة وحرس الحدود التي تجوب قريتنا بهدف الإرهاب وإفشال الإضراب، لا التواجد في جلسة المجلس المحلي. عندها قال الرئيس: نعرض على أعضاء المجلس التصويت على هذا الأمر.
انتبهتُ فورًا لخطورة أمر التصويت. قلتُ: لا حاجة للتصويت، فليحضر الضابط الجلسة. فعلتُ ذلك لأني لم أرد أن يكسب حضور الضابط الشرعية من قرار يتخذه أعضاء المجلس، إذ أن أعضاء الاتئلاف كانوا سيصوتون على حضوره. انتهت الجلسة يومها بدون إتخاذ المجلس لقرار مع تأييد أو معارضة الإضراب. وهذا نصف نجاح هام.
لكن، في اليوم الذي تلا يوم الجلسة قمتُ أنا ورفيقي عمر زيداني ، أحد الرفاق القدامى في الحزب، بإجراء إتصالات وزيارات مكثفة لأعضاء المجلس من الائتلاف والمعارضة. نجحنا في جمع تواقيع ستة منهم وأنا سابعهم على رسالة وجهناها للمجلس أعلنا فيها تأييدنا لقرار "اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي" ورؤساء سلطات محلية بالإضراب يوم الثلاثين من آذار، وطالبنا الحكومة بإلغاء قرار المصادرة. هكذا أفشلنا ما كان مبيّتًا لطمرة ومجلسها، ونشرنا الخبر بين أهلها، أنّ غالبية 7 أعضاء من أصل 11 عضوًا في المجلس يدعونهم إلى الإضراب.
حين جرى عقد اجتماع لرؤساء السلطات المحلية العربية في مدينة شفاعمرو بتاريخ 25.3.1976، أي قبل خمسة أيام من موعد الإضراب، بهدف اتخاذ قرار فيه من قبل غالبية الرؤساء يدعو إلى عدم الإضراب، تصدّت مجموعة من الرؤساء لزملائهم المتخاذلين. ووقف الشيوعي القائد توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، صارخًا: الشعب بأطره وأحزابه الوطنية هو الذي قرّر الإضراب لا السلطات المحلية، ولا تستطيع هذه إلغائه، ومن غير الصحيح أن غالبية أعضاء سلطاتنا المحلية ضد الإضراب. وأخرج من جيبه ورقة القائمة بتوقيعاتنا في طمرة وقال: هذه رسالة من 7 أعضاء مجلس طمرة، أي غالبيته، يعلنون فيها تأييدهم للإضراب.
حين انفض الإجتماع وخرج الرؤساء من قاعته واجههم الجمهور المحتشد خارجها، من شخصيات وطنية وشباب وطلاب جامعات، بالهتافات الوطنية للأرض وللرؤساء الداعمين للإضراب، وبكلمات الخزي والعار للمتقاعسين. كانت تلك تظاهرة وطنية كفاحية قام بالتجنيد لها وتنظيمها حزبنا وشبيبتنا الشيوعية والأطر الوطنية الأخرى.
قامت قوات الشرطة وحرس الحدود المدججة بأسلحتها، بتطويق العديد من بلداتنا عشية وفي فجر "يوم الأرض" بهدف الردع والإرهاب، وأخذت تستفز الناس بوقاحتها وبلطجيتها. دخلوا قريتنا طمرة منذ ساعات الصباح آملين أن يكون دخولهم رادعًا للناس فيفتحون عندها محلاتهم التجارية ويذهب العمال والموظفون إلى أماكن عملهم والطلاب إلى مدارسهم. لكن الإضراب كان عامًا وشاملاً في بلدتنا.
وحين توجهت قوات الشرطة باتجاه نادي الحزب في القرية، آملة بأن تجد فيه قيادة الإضراب المحلية والقيام باستفزازها وإعتقالها... وجدت النادي مقفلاً. كنّا بين الناس في الشوارع نحميهم ونوجههم، ونقوّي مَنْ ضعف منهم ونقنع مَنْ قرّر فتح محله أو السفر إلى مكان عمله بالعدول عن ذلك.
تصدَيْنا لقوات الشرطة ولعسكر حرس الحدود فاضطروا للإنسحاب من القرية. وحين سمعنا خلال النهار عن سقوط ستة شهداء في قرانا وعشرات الجرحى، قمنا بتنظيم مظاهرة جبارة اخترقت شوارع طمرة هاتفة : "بالروح بالدم نفديك يا شهيد" و "يا شهيد ارتاح ارتاح وإحنا منْواصل الكفاح"، و "جليلنا مالَك مثيل وترابك أغلى من الذهب" و "ارض العروبة للعرب صهيوني شيّل وارحلِ"... وكانت النساء تزغردن، وشعرنا أنّ هاماتنا تطاول العنان كرامةً قوميةً وعزةً وطنية.
معنى مأثرة يوم الأرض: أقلية قومية باقية في وطن مُهوَّد ومؤسْرَل تصوغ مأثرة يوم الأرض. هي التي أعدّت له وعبرته بنجاح رغم كوْنها أقلية شبه معزولة، ومنسيّة ومنقطعة عن التواصل مع محيط العالم العربي. ولا تملك من سلاح إلّا سلاح البقاء في الوطن والصمود والتصدي في مواجهة السياسة والممارسات الصهيونية في عقر دارها.
حدث هذا بفضل ما تأتّى لهذه الأقلية من قيادة شيوعية كفاحية، وعقلانية حكيمة في الوقت نفسه. قيادة استطاعت أن تُخرج شعبها الباقي في وطنه من أزمات النكبة وآثارها وما زرعته في شعبنا من مشاعر وعقليّة الضعف والعجز والشرذمة واليأس، والخوف من المواجهة النضالية.
لقد أورثت هذه الأقلية لذاتها ولأجيالها الجديدة الصاعدة مأثرة بطولية هي "يوم الأرض"، اليوم الذي أصبح يومًا فلسطينيًا عامًا لعموم فلسطين الوطن التاريخي الواحد ولعموم الشعب الفلسطيني الواحد، في أراضي الـ 48 وفي المناطق المحتلة في حزيران 1967 وفي دول اللجوء والشتات القسري.
يقول البعض: إننا في الثلاثين من آذار عام 1976 "وُلِدْنا من جديد". توجد بعض الحقيقة في هذا، لا كلها. فيوم الأرض في تاريخنا هو يوم إضراب عام غير مسبوق لعموم العرب الباقين في وطنهم. وهو يوم مواجهة كفاحية بأوسع وحدة صف وطنية، ضد بطش السلطة وشرطتها وحرس حدودها. دفع فيه شعبنا ضريبة دم الشهداء الستة والجرحى بِعشراتهم، وضريبة معاناة الاعتقال والفصل من العمل... بمئاتهم.
ارتقت فحوى كفاحاتنا ومستوياتها بعد يوم الأرض. وما كان "يجوز" أن تعاملنا إسرائيل به قبل يوم الأرض أصبح غير جائز بعده. وأثبت الشعب أنه مستعد للمواجهة والتحدي والتصدي النضالي الجماعي. لقد نفض شعبنا عن كاهله، بانتفاضته من أجل الأرض، أعباء التردد والخنوع وواجه ظالمه بشجاعة. وتوقفت موجات مصادرة الأراضي بعد مأثرة الأرض. أصبح مطلبنا إعادة بعض ما صودر وتوسيع مسطحات بلداتنا، وارتفع سقف تطلعاتنا بما يخصّ المواطنة المتساوية.
اتضح لأوسع فئات الشعب أن قضية الأرض ليست قضية فردية يعاني منها فلان أو علنتان وبالإمكان حلها عن طريق التزلّف والخنوع الفردي. وإنما هي قضية شعب بأسره، وما من حل لها إلا الوحدة الكفاحية الجماعية للشعب بأسره في مواجهة الصهيونية العنصرية الغاصبة. وأن الأرض ليست مجرد ضمان لتواجدنا البيولوجي عليها، ولا مجرد مصدر رزق ومكان سكن. وإنما هي وطن وإنتماء وهوية وقاعدة للبقاء ولضمان الأمن الوجودي لا المعيشي فقط، في وطننا الذي ما من وطن لنا سواه.
كذلك ضعفت في السنوات التي تلت يوم الأرض عصبيات الانتماءات الحمائلية والعائلية والدينية والطائفية، وحتى المناطقية. يوم الأرض وحّد جغرافية الباقين في الوطن بجليله ومثلثه ونقبه وساحله. وعزّز من سعي الناس لبناء أطرهم ومؤسساتهم التمثيلية الجامعة قوميًا ووطنيًا.
وأكتفي بالاشارة هنا إلى أن أول انتخابات لعموم السلطات المحلية جرت بعد يوم الأرض أسفرت نتائجها عن فوز "الجبهة الديمقراطية"، التي أسسها الحزب الشيوعي، بالرئاسة وبالإدارة لإحدى وعشرين سلطة محلية منها. وإلى أن يوم الأرض رفع من نظرتنا لأنفسنا، ومن تقييمنا لذاتنا الجماعية، ومن ثقتنا بمقدرتنا إن توحدْنا وتحدّينْا ظالمنا. كذلك رفع من هيبتنا في أوساط السلطة الحاكمة والمتحكمة بكل جوانب حياتنا. وانتشرت دعوات إسرائيلية إلى وجوب تغيير التعامل معنا نحو الأفضل، وإن لم ترتق تلك الدعوات إلى المستوى المطلوب.
لكن، رغم كل هذا الذي ذكرته من جديدنا بعد يوم الأرض، أعود وأؤكد وجود بعض الحقيقة لا كلها بالقوْل إننا "وُلِدْنا من جديد" بعد يوم الارض. فيوم الأرض لم ينفِ كل ما سبقه بل شكّل قمة نضاليّة له. وهو نتاج لتراكم الوعي السياسي والإجتماعي والثقافي التقدمي والنضالي الديمقراطي لأقلية قومية على مدى 28 عامًا سبقت يوم الأرض. كذلك كان للنمو والتكاثر الكمي لتعداد العرب وتحوّلهم الكيفيّ من أقلية مشرذمة إلى شعب تغيّرت كيفيًا تركيبته الإجتماعية الطبقية والتعليمية والثقافية، أثر كبير في إجتراح مأثرة الأرض والهويّة هذه.
لقد استحلنا منذ عام 1948 وعلى مدى 28 سنة حتى عام يوم الأرض من فلاحين مشرذمين وغير متواصلين، إلى عمال وموظفين. ونمت طرديًا وسنويًا الفئات المتوسطة، وأعداد الطلاب والخريجين من المدارس الثانوية والجامعات. وتراكمت خبرة كفاحات تلو كفاحات محلية وقطرية منذ عام النكبة، ومرورًا بعقود الحكم العسكري حتى عام 1966 ، وصولاً إلى يوم الأرض عام 1976.




