كتب وفصول عن يوم الأرض

يوم الأرض في كتاب المَعلم والمُعلم لذكرى غازي شبيطة

غازي شبيطة

أحدث المواد

يوم الأرض الأول

في اغسطس 1975 تم عقد اجتماع قطري في الناصرة وأعلن الاجتماع عن إقامة لجنة للدفاع عن الأرض العربية في اسرائيل، وذلك ردا على إعلان حكومة اسرائيل بإصدار قرار مصادرة لأراض واسعة من سهل البطوف في الجليل وبعض الأراضي في المثلث وأراض في النقب، وفي أكتوبر من نفس العام اجتمعت لجنة الدفاع، بحضور يهودي عربي، وخرجت بقرار الدعوة لمؤتمر شعبي عام في سخنين خلال شباط 1976 وبعد القيام بذلك تم عقد اجتماع لجنة الدفاع في الناصرة يوم 6\3\1976 وقررت الدعوة للإضراب العام في يوم الثلاثاء 30\3\1976 وقد نشر بيان في الصحف عامة حول القرار والموعد، وارتبط تنفيذ الإضراب في حالة إصرار الحكومة على مصادرة الارض.

في 20\3\1976 اجتمعت اللجنة المركزية للحزب ودعت إلى تأييد الاضراب، وفي 25\3\1976 دعيت لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية للاجتماع في شفاعمرو، وفي الاجتماع دعا توفيق زياد لتأييد الإضراب غير أن غالبية الرؤساء المرتبطة بالسلطة، وكانوا غالبية، قد صوتوا ضد قرار الإضراب، ومن بين خمسة واربعين رئيسا للسلطات المحلية العربية لم يؤيد قرار الإضراب سوى اقلية ولكنها أساسية ومكونة من: توفيق زياد (الناصرة)، جمال طربية (سخنين)، احمد مصالحة (دبورية)، حنا مويس (الرامة) يونس نصار (طرعان)، محمد نعامنة (عرابة)، أسعد يوسف كنانة (يافة الناصرة) ومحمد محاميد أبو ماجد (ام الفحم).

وبعد ذلك مباشرة عقد المكتب السياسي للحزب إجتماعا في حيفا دعا فيه إلى الاصطفاف لإنجاح الإضراب وأخذنا في قرانا بإقامة اللجان الشعبية من الرفاق والأصدقاء، ومع بزوغ شمس 30 آذار 1976 كانت كل مداخل قرانا ومخارجها تحت سيطرة اللجان الشعبية التي تحمل تعليمات مشددة بالتحدث مع الناس بلغة الاقناع، دون اللجوء للقذف أو العنف، وفي الوقت ذاته كانت قرانا مطوقة بقوات الشرطة وحرس الحدود والعسكر.. وكم فرحنا عندما تبين لنا أن اكثر من %95 من أهلنا في قرانا قد استجابوا لنداء الاضراب في ذلك اليوم المشهود والخالد، ولم يرق ذلك للشرطة وقوى الأمن الأخرى فأخذت تدخل إلى شوارع القرى وتستفز الناس وتلاحق البعض وتعتقل البعض الآخر فأخذت الجماهير ترد على استفزازات الشرطة مع قوى السلطة المركزية.

مع ضحى ذلك اليوم بدأت تتسرب الاخبار عن تزايد المواجهات في قرى ومدن الجليل، كما أخذت الإذاعة تنشر أخبارا عن قيام المتظاهرين في طمرة وغيرها بملاحقة الرؤساء الذين قرروا فتح بناية السلطة المحلية في قراهم واضطرتهم لإغلاقها والهرب من وجه المتظاهرين كما حدث في طمرة مع زكي ذياب وما يشبه ذلك مع طارق عبد الحي في الطيرة.!

كما اخذت تتوارد اخبار سقوط ضحايا في عرابة ودير حنا فحصل هياج شعبي جامح، واشتد تصاعد المواجهات عندما سمع الناس عن سقوط ضحايا جديدة في سخنين وكفر كنا، كما قتلوا في الطيبة شابا من الضفة الغربية كان في زيارة لأقاربه هناك وخرج عند سماعه هتاف المتظاهرين ووصل إلى الساحة التي يتواجد فيها الجمهور في مركز البلد، وهناك وصل الأمر بالشرطة حد إطلاق الرصاص لإرهاب الجماهير فأصيب الشاب رأفت زهير وتوفي قبل أن يستطيع الوصول إلى عيادة الطبيب في البلدة، وقد أحدث ذلك مواجهة شديدة بين الشرطة والجمهور واعتقل العشرات .!

• اعتقالات في الطيرة

أما في الطيرة فقد قام رئيس السلطة المحلية، طارق عبد الحي بفتح دار البلدية وجلس في غرفته، ثم استدعى عددا من أعضاء كتلته للحضور والجلوس معه، وقد استفز هذا الأمر جماهير البلدة وخلال أقل من ساعة قام الشباب بمحاصرة المبنى وأشعلوا عشرات عجلات الكاوتشوك حوله، وخلال دقائق ملأ الدخان كل غرف البناية واضطروا لاستدعاء الشرطة لإنقاذهم، فحضرت عدة سيارات وعدد كبير من الشرطة وحرس الحدود وأخرجوهم وحملوهم في سياراتهم تحت وابل من الحجارة والشتائم وأوصلوهم إلى بيوتهم .!

عادت قوات الشرطة إلى المكان وبدأت بمطاردة المتظاهرين واعتقال كل من صادفهم من المشاة المارة ومن يصلون اليه من الشباب، ولما كنا بين الشباب المحتجين اعتقلوني مع خالد خاسكية ونسيم أبو خيط ونقلونا إلى مركز شرطة كفار سابا، حيث وجدنا عشرات من المعتقلين قد سبقونا إلى هناك، وما زالت سيارات الشرطة تنقل المزيد منهم بعضهم من الطيبة وقلنسوة ومعظمهم من الطيرة، كما وجدنا عبد الحميد ابو عيطة وشاكر عازم وغيرهما بين من سبقنا من المعتقلين، ثم أخذوا يوزعوننا على مراكز الشرطة المختلفة ووضعوني مع نسيم في سيارة خاصة ونقلونا إلى أحد مراكز الشرطة قرب حيفا، وبقينا ثلاثة أيام منقطعين عن العالم الخارجي وفي اليوم الثالث حملوا نسيم إلى حيث لا أدري، وبقيت وحيدا ليوم آخر وبعدها أرجعوني إلى كفار سابا وأطلقوا سراحي لأعود إلى بيتي.

وما أن وصلت حتى أبصرت بجمهرة حاشدة في الشارع أمام بيتي وعرفت عندها أن المظاهرات استمرت طيلة الأيام الخمسة الماضية، وأن المتظاهرين رفضوا التفرق حتى يصل آخر سجين من المعتقلين، وتبين لي أنني آخر من أطلق سراحه من بين المعتقلين، فاعتليت حجرا كبيرا وشكرتهم وطلبت إليهم أن تستمر وحدة الكفاح أمام كل اضطهاد يلحق بنا في المستقبل أيضا. فأحاطوا بي مهنئين بالعودة ثم ذهب كل إلى حاله، وقد كانت تلك الأيام تبعث على الاعتزاز والثقة بأننا قادرون بوحدتنا أن نتحدى مخرز السلطة بأكفنا وشعرت أن عامل الخوف قد داسته اقدام جماهيرنا الغاضبة والمدركة لما تقوم به.

في اليوم التالي عدت إلى مكتب المنطقة في الطيبة، وعرفت أن رفاقنا عبد الحميد وشاكر قد اطلق سراحهما في مساء اليوم التالي ليوم الارض، كما عرفت أن طاقما من كل المحامين في المثلث، وبينهم عبد الرحيم أبو راس وأحمد صابر مصاوره وعبد الجواد حاج يحيى من الطيبة وفتحي شبيطة ومازن دعاس من الطيرة ويحيى جيوسي من قلنسوة وحسين ابو حسين ومحمد كيوان من أم الفحم قد تجندوا منذ اليوم الأول لبدء الاعتقالات وأعلنوا تبرعهم للدفاع عن المعتقلين والسعي إلى اطلاق سراحهم وأنهم صدقوا ما وعدوا وتابعوا بعض قضايا المعتقلين الذين أسندت إليهم السلطة تهمة رجمها بالحجارة .

• كسر حاجز الخوف

لقد أسفرت معركة يوم الارض عن كسر حاجز الخوف الذي كرسته السلطة في نفوس الجماهير بواسطة الاضطهاد والقمع وفرض الحكم العسكري وارتكاب المجازر ضد جماهيرنا العربية الفلسطينية في اسرائيل منذ بداية حكمها،

وارتفعت المعنويات والدعوة للكفاح العقلاني والمباشر، وقد رأى الحزب ضرورة الإبقاء على هذا المزاج الجريء والواسع وتأطيره وصقله في جبهة واسعة تشمل الوطنين الشرفاء والمستعدين لتبني برنامج كفاحي وواع لوقف اضطهاد جماهيرنا وانتزاع حقوقنا المنقوصة، وأن يكون اطارا يجمع إلى جانب الشرفاء والوطنيين من بيننا كل الديمقراطيين اليهود الذين يتضامنون مع كفاحنا في يوم الارض والمستعدين لتبني برنامجا سياسيا واجتماعيا لتحقيق السلام العادل والدائم ويضمن البقاء والمساواة للجماهير العربية الفلسطينية في اسرائيل .