وجبة دم
1976 آذار
يقول المثل القروي: «آذار أبو الزلازل والأمطار». يبدو أن آذار هذه السنة يحمل في باطنه زلزالاً عميقا. مقياس رختر السياسي في تصاعد مجنون. يعرف يحيى تلك الأراضي. عرفها بقدميه يوم كان يزور قرى البطوف، ينشئ فروع الشبيبة ويرعاها. آنذاك، في مطلع الخمسينيات، لم تكن مواصلات منتظمة. كم مشى من سخنين إلى عرابة ماراً بالبركة الكبيرة بينهما، يسمع الحكايات التي يرويها أهل عرابة عن أهل سخنين كيف قسموا مياه البركة بينهم وبين عرابة بحبل وكيف راح بعضهم في الليل يغرف من حصة عرابة ويصب في حصة بلده. سمع كثيرًا من النوادر التي كان يرويها أهل كل بلد عن جيرانهم متهمينهم بالجهل وركود الدماغ. وكم مشى من عرابة إلى دير حنا ومعه مجموعة من الشباب يحسنون الغناء الفولكلوري ينشدونه في آذان السهول والتلال بكثير من الحيوية والرشاقة. أراضي البطوف عامرة ثمراء فيها الزيتون والفاكهة ومختلف أنواع الحبوب. هي روح تلك القرى التي ترقد عندها كما ترقد الخراف عند ضرع أمها. تعرف إلى البيت الذي أقام فيه الزيادنة في عرابة. من هناك شرع ظاهر العمر في انطلاقته في القرن الثامن عشر. أدرك يحيى منذ البداية أن الأرض محور الصراع الأساسي. ومنذ صارت للصهيونية دولة وسلطة صار القانون سلاحًا لتجريد العربي من أرضه. لا قيمة للكوشان الذي يشهد لك أنك مالك الأرض وأن ما ينبت فيها شاهد على عرقك وعرق أجدادك فالقوانين التي يسنها القوي الداهية تلغي تلك الملكية وتنقلها إلى غير أصحابها! تذكر يحيى قصيدته الأرض» التي تروي سيرة ذلك الاغتصاب وفيها يقول: أمنا الأرض نشأتنا مع الزرع غراسا هل تثكل الابن أمه؟» يقرأ الصحف ويستمع إلى الأخبار ويعجب. هذه المرة أمر عسكري. يعلنون عن حوالي 17 ألف دونم منطقة عسكرية ومن يدخلها حكمه كحكم من يدخل ثكنة عسكرية دون إذن - هذا هو النص التهديدي الرسمي. لجنة الدفاع عن الأراضي دعت الجماهير العربية إلى إضراب عام احتجاجي يوم الثلاثين من آذار. يعرف هؤلاء الحاكمون أن الضغط الشديد المتواصل يصل إلى نقطة انفجار. لكنهم لا يعبأون.
قال يحيى لجرمس، نائب مدير الكلية: أرى أن ندعو إلى اجتماع للهيئة التدريسية يوم الخميس لبحث الإضراب. تعهد جرمس بإعداد ملف مطبوع على الستانسل لكل مرب فيه تفصيل عن ملكية الأراضي الفلسطينية قبل 1948 وكم بقي بفضل قوانين السلب، كما يشتمل الملف على نص قرار الحكومة بإغلاق المنطقة 9 وقرار اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي.
أكد يحيى في الاجتماع: إننا نتدارس كيف نتعامل تربويا مع مهمة بالغة الخطورة - التربية على المواطنة الكريمة. اتسم النقاش بروح المسؤولية، تقرر أن يسأل الطلاب أولاً عن مدى معرفتهم الحقائق عما يحدث ثم يزودون بالمعلومات التي أعدت، عندنا طلاب من تلك المنطقة، مشاركتهم هامة لإدراك أبعاد ما يحدث. يشرح أمر الإضراب على أنه تعبير دمقراطي عن رأي وموقف وتستعرض أمثلة على ذلك مما حدث في الشارع اليهودي. يُشار أيضًا إلى الحملة المحمومة التي تشن ضد الإضراب والتهديد والوعيد لمن يضربون. في نهاية الدرس يصوّت الطلاب على الموقف من الإضراب والمشاركة فيه. أشار بعض المعلمين في تلك الجلسة إلى تهديد المدير العام لوزارة المعارف، قال يحيى: مؤسف أن يتصرف مسؤول في وزارة للتربية بمثل أسلوب القمع هذا مما يتنافى مع الدروس التي يتعلمها الطلاب عن الدمقراطية في درس المدنيات. إننا نرد رداً تربويا مبدئيا وأنا مستعد أن أتحمل المسؤولية. كذلك تقرر أن يجيء المعلمون كلهم يوم الإضراب وأن يكونوا في غرفة الهيئة التدريسية فالإضراب يعني أن لا تعلم لكنك مسؤول تربويا أن تتدخل إذا حدث شيء لطلابك في الساحة أو ما يحاذيها إذا حضر بعضهم. تلك الليلة استدعي يحيى إلى لقاء مع بعض أعضاء لجنة المعارف الأرثوذكسية الذين أعربوا عن دهشتهم مما تقرّر وعن خطر ذلك على مستقبل المعهد. سأل يحيى: هل هذا اجتماع رسمي للجنة المعارف؟ إذا كان كذلك فأين أبو طوني، حنا نقارة؟ قالوا: لا ليس هذا اجتماعًا رسميًا لكننا قلقون على مستقبل الكلية! قال: ألا يهمه هو أيضا مستقبل الكلية؟ أكد يحيى أن مستقبل الكلية رهن بكونها معهدًا يربي على الكرامة ويلتزم بمبادئ التربية الصحيحة. أما إذا أردتم أن يكون المعهد خاضعا للقمع الذي يفرضه موظفو الوزارة وأن يأتمر بأوامرهم فلا قيمة له ولا أسف عليه. اتصل يحيى تلفونيا بحنا نقارة وحدثه عن تلك الجلسة. قال أبو طوني: أنا معكم في ما قررتم وفي التصدي لموقف أعضاء اللجنة هؤلاء.
في حصة التربية التي بحث فيها الإضراب في الصفوف جميعها قرر الطلاب بأغلبية ساحقة المشاركة في الإضراب.
حيفا تتثاءب. الخامسة والنصف صباحًا - الموعد اليومي للذهاب إلى البحر. يوقف يحيى سيارته أمام بيت صليبا خميس.. ينتظره. صليبا سكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي، الدينامو الذي يتصل بكل الفروع ويده على النبض الشعبي. لا يهجس في هذه الأيام إلا بالإضراب وما يدور في فلكه. صبح. جلس في السيارة وفي يده فنجان القهوة الكبير الذي يرافقه في الصباح. رشف رشفة وقال بغضب: مش معقول! فقدوا أعصابهم! هل يُعقل أن يستثير قرار بإضراب احتجاجي في دولة تدعي أنها دمقراطية مثل هذه الهستيريا؟ تقصد اجتماع اللجنة التوجيهية لحزب «العمل»؟ أحيانا لا نقدر قوتنا. رئيس الحكومة رابين وخلاصة الزعامة قررت بعد اجتماع أربع ساعات أنها ستبطش بالإضراب والمظاهرات المتوقعة. قرروا تعزيز قوات الشرطة للرد بأقصى قوة» وانطلقت أذرع الأخطبوط كله: كينغ حاكم لواء الشمال يستفرد برؤساء المجالس المحلية العربية ويهددهم. سمعت أنه يستعمل جهاز تسجيل في جلساته ليخيفهم. - أسوأ ما في الأمر عملاؤه في تلك السلطات.. شرعوا ينفذون مؤامرة الدعوة إلى إلغاء الإضراب. أمس جاؤوا إلى اجتماع لجنة الرؤساء في شفاعمرو وقاموا باستفزاز: تصويت مجدد حول الإضراب لإلغائه. هم لم يقرروا الإضراب. لجنة الدفاع عن الأراضي هي التي دعت إليه. هذا ما نقوله في بيان خاص. أرادت الشرطة أن تثبت تهديدها فهاجمت المظاهرة التي كانت أمام المبنى الذي عقد فيه اجتماع لجنة الرؤساء بوحشية، جرحت واعتقلت عديدين.
هذه الأيام حاسمة في تجنيد الإرادة الشعبية حيال هستيريا السلطة. هل وصلكم تهديد مدير وزارة المعارف الموجه إلى كل المدارس العربية؟ طبعا.. يقول إنه ينظر بخطورة إلى نية الإضراب ويدعو مديري المدارس أن لا ينجروا وراء الإضراب». والعهر كل العهر في موقف الهستدروت نقابات العمال تعلن أنها لن تساند العمال العرب إذا اتخذ أصحاب العمل إجراءات انتقامية ضد من سيضربون.. أشم رائحة دم في الجو! أنظر إلى الرؤوس العاملة على الساحة رابين، رئيس الحكومة وتاريخه العنيف وتشريد اللد والرملة، غولده التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني، شمعون بيرس - وزير الدفاع - الذي يهاجم حتى شعرنا ويسميه شعر خناجر ورفائيل إيتان قائد المنطقة العسكرية الشمالية الذي تقطر الكراهية والعنصرية من كل كلمة تنز من شفتيه ويسرائيل كينغ حاكم اللواء الشمالي في وزارة الداخلية - منظر الحقد والدعوة إلى تيئيس العرب بمختلف السبل من البقاء في البلاد ... الجو حافل بالتعبئة الحاقدة. يلقنون الجنود والشرطة مزيدًا من الكراهية ويستثيرون الخوف من كل عربي للبطش به. المقالات والأخبار في الصحف العبرية تقطر سما ... وجريدة الأنباء» الحكومية ترفع هراوات التهديد وتسعى إلى تمزيق الصف.. تنشر نبا عن قرار الأغلبية الساحقة من رؤساء المجالس المحلية العربية بإلغاء الإضراب. لا بأس، لكن المعركة تدور حول الأرض وسيكون الدفاع عنها شرسا. قبيلة» السباحين تلتئم على الشاطئ. كل واحد يعلق كيس ثيابه في المكان الذي تعود عليه قبل سنين. قبل النزول إلى البحر لا بد من مسيرة نشيطة على الشط. حديث الإضراب وجنون المنع يحلق فوق كل شيء. بعد انتهاء «مراسيم» الرياضة والسباحة يعود يحيى إلى البيت ثم يذهب إلى الكلية. جاءت سميرة بالقهوة والصحف. لا وقت للقراءة المتمعنة فليكن الاقتصار على العناوين: المدير العام لوزارة الداخلية يكتب إلى السلطات المحلية العربية يحذر من الاشتراك في الإضراب ويأمر بعدم دفع رواتب الموظفين والعمال الذين يغيبون عن أعمالهم يوم الإضراب. مدير بوليس اللواء الشمالي يزور المجالس المحلية محذرا من السماح بتنظيم الإضراب. اتصالات تلفونية لإقناع يحيى وجرمس بمنع مشاركة طلاب الكلية في هذا الإضراب الذي توجه كل الحراب لمنعه. عدد من أولياء أمور الطلاب يتصلون تلفونيا يسألون هل أنتم مضربون؟ القرار الذي اتخذه الطلاب هو الساري وهو الصحيح. أما أية محاولة لمنع الإضراب فستكون خيانة للموقف التربوي. هل يقف المربي أمام الصف ويقول: أيها الطلاب نطلب أن تغيروا قراركم خوفا من بطش السلطة؟ في الاستراحات القصيرة بين الدروس نقاش حي بين الطلاب. هناك جماعة منهم واعون سياسيا ومنظمون وهم يعملون لضمان نجاح الإضراب، وهناك أقلية ضئيلة تبث الذعر وتدعو إلى عدم المشاركة. مساءً. . كل المجسات موجهة إلى وسائل الإعلام والاتصالات التلفونية بموقع الحدث. في مثل هذه الظروف تحتاج إلى من يشاركك الهواجس. جرمس جار بابا بابا. يأتي آخرون للسهر. أنباء قرى البطوف مقلقة. سيارات الشرطة وحرس الحدود والمجنزرات تقتحم تلك القرى في جولات استفزازية، يطلقون الرصاص، يلاحقون من يجدونه في الشارع، بل من يرونهم من الشبابيك.. يهجمون على البيوت، يكسرون الأبواب، يبطشون ويعتقلون، يضربون الأمهات والآباء أمام أولادهم! رصاص الطيش لا يطيش. تسعة مصابين في عرابة. خير محمد ياسين جراحه خطيرة. أسلم الروح قبل الفجر في المستشفى. المكتوب يقرأ من عنوانه. هذا.. ولم يطلع النهار. القائد العسكري يعلن المنطقة مغلقة. منع تجول من الساعة الواحدة ليلاً، بدء 30 آذار إلى الساعة العاشرة من مساءه.
إذن يفرضون إضرابا بالقوة؟! يريدون منع مظاهرات لكن هل يمنعون جنازة القتيل؟ هناك قرار بالتحرش والبطش.. ينفر النوم من العيون. يستمر الاتصال هاتفيا. مزيد من أخبار البطش والاعتقالات أنباء سخنين وعرابة ودير حنا تتحدث عن المزيد من اقتحام البيوت والتكسير بالهراوات.. والاعتقال.
الثلاثاء 30 آذار 1976
تتوالى الأنباء المؤلمة. بكر يحيى إلى الكلية». زوبعة من الخواطر والأفكار. يفكر في مستقبل هذه الأجيال وفيهم ابنتاه وابنه، أمية وأمين عنده في الكلية. رباب لم تزل في الابتدائية. ما الذي ينتظرهم في هذه العتمة؟ السقف منخفض. لا يكاد الفتى أو الفتاة يطمح حتى يرتطم رأسه بالسقف. كتب يحيى مرة في كتاب صدر بالإنكليزية والعبرية عن هموم المربي العربي عندنا. حكى عن سعيد التلميذ في الصف السادس الذي سأله المعلم: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ قال: طيار. وتساءل يحيى: من يرشد هذا المربي كيف يقص أجنحة سعيد ويعلمه كيف لا يحلم لأن حدوده ضيقة! ما هو مستقبل شعب يُنشأ أبناؤه في القفص؟ يريدون لنا مزيدا من الخنوع. يمنعوننا حتى من رفع صوت احتجاج! في الشارع قريبا من بوابة الكلية بعض الطلاب الملتزمين. جاؤوا ليقنعوا من قد يجيء من زملائهم أن يعودوا وأن لا يكسروا الإضراب. سيارة الشرطة تقف قريبا - عنوان تهديد. بعض الشرطة يتجولون في الشارع، يوقفون الطلاب، يسألونهم عن أسمائهم ويدونونها، ويعتقلون بعضهم. في غرفة المعلمين يكتمل النصاب. منهم من يخرج لاستطلاع حال الطلاب في الخارج. في البناية الأخرى عدد من أعضاء لجنة المعارف الذين لم يؤيدوا الإضراب. دخل إلى الساحة عدد قليل من الطلاب، دون العشرة جاؤوا يسألون: ألا يتعلمون اليوم؟ قال لهم أحد المعلمين: ألم تقرروا الإضراب؟ قال أحدهم: لكني صوت ضد الإضراب. الدمقراطية تمنح القرار للغالبية. صحيح؟ نعم. إذن؟ بعد حين عاد المعلمون إلى بيوتهم وبقي يحيى. قرب شباكه يمر رجل المخابرات الذي رآه في السجن وجاء إلى بيته في حيفا بحجة السؤال عن التصريح. إنه مختص بنشاط الأقليات»! مضى إلى البناية الثانية حيث بعض أعضاء لجنة المعارف. المذياع يقطر دما. إنهم يقتلون ويقتلون. هكذا تبطش دولة بمواطنيها! إلى الشهيد خير ياسين من عرابة ينضم آخرون.. ثلاثة من سخنين فيهم فتاة وشهيد من كفر كنا وآخر من نور شمس سقط على أرض الطيبة. الأيدي التي ضغطت على الزناد وقتلت لم تكن في بلدة واحدة، عشرات الجرحى علاوة على القتلى واضح أنه قرار من فوق، من أعلى السلطات: أقتلوا!! حالاً ترنّ في الوجدان أصداء الأمر الذي صدر في مجزرة كفر قاسم: «أحصدوهم!». يرون في الفلسطينيين المواطنين عدواً دونهم مرتبة في البشرية لا يخضع إلا للبطش، يعرفون أن حقنا لا يموت مهما زوروا لذلك يخاطبوننا بالرصاص والهراوات والسجون. تذكر يحيى خال أمه الذي كان يقصد جسمه في أحيان متقاربة استشفاء فهل تتعامل السلطة بالـ «العلاج ذاته فتفصدنا بين الحين والحين وتسفك دمنا؟ ارتفعت الجماهير فوق الإرهاب، اتحدت جميعا وشاركها إخوانها في الضفة والقطاع. لم يفلح القمع.. يوم الأرض معلم بارز في مسيرة هذا الشعب ونقطة تحول نوعي في كفاحه.
الأربعاء 3/31
أبرزت جريدة «هآرتس» إضراب طلاب الكلية. قالت في أخبار يوم االأرض: أضربت الكلية العربية الأرثوذكسية ومدارس أخرى في يوم الأرض». المزيد من الأنباء يكشف عن عمق بئر اللؤم الذي يمتح منه السفاحون.




