كتب وفصول عن يوم الأرض

يوم الأرض في كتاب: ذكريات ختيار لم تمت أجياله

توفيق كناعنة

أحدث المواد

لم تتوقف الجماهير العربية في البلاد، منذ نكبة شعبنا العربي الفلسطيني سنة 1948، عن مجابهة السياسة العنصرية التي انتهجتها السلطات الإسرائيلية، ولا زالت، ضد هذه الجماهير. وكان الحزب الشيوعي، وما زال، يقف في طليعة هذا الكفاح. فقد عمل الحزب على إقامة الأطر الوحدوية بين الجماهير العربية من أجل تنظيم كفاحها العادل. وجابهت هذه الجماهير مختلف أنواع الاضطهاد القومي والتمييز العنصري والحكم العسكري وسلب الأراضي. ولذلك لم يكن صدفة أن تكون معركة الدفاع عن الأراضي قضية محورية في نضال جماهير شعبنا. ومنذ أوائل الخمسينات والستينات جرى العمل على إقامة لجان الدفاع عن الأراضي، ولكن هذه اللجان كانت تتعلق بقضايا محدودة وما تلبث أن تنتهي بانتهاء القضية التي أقيمت بشأنها. وفي سنوات السبعين الأولى من القرن الماضي اشتد هجوم السلطات على الأراضي العربية تمهيدا لمصادرتها. هنا بدأ العمل المنظم بقيادة الحزب الشّيوعي لمجابهة هذا المخطط السلطوي. عرف هذا المخطط باسم مشروع "تهويد الجليل"، وهو يهدف إلى ابتلاع أقسام كبيرة من الأراضي العربية المعدة للبناء، وغيرها من الأراضي التي يمتلكها المواطنون العرب. ولمجابهة هذا المخطط بدأت المشاورات لإقامة لجنة قطرية للدفاع عن الأراضي العربية. كان في مقدمة المبادرين لعقد الاجتماع التشاوري الرفاق حنا نقارة، محامي الأرض، وعضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشّيوعي، صليبا خميس. عقد الاجتماع التشاوري في حيفا في التاسع والعشرين من تموز 1975 وشارك فيه عدد من رؤساء وأعضاء السلطات المحلية العربية، وعدد من الأطباء والمحامين، وأصحاب أراض وصحفيون. وتقرر فيه إقامة لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي. بدأت اللجنة تأخذ دورها الطبيعي والطليعي في قيادة المعركة للدفاع عن الأراضي العربية المتبقية. وحتى يكون العمل أوسع وأشمل، ويتخذ طابعا شعبيا دعت اللجنة المبادرة إلى اجتماع موسع عقدته في قاعة فندق غراند نيو في الناصرة في الخامس عشر من آب 1975. كان الاجتماع موسعا واتخذ قرارا أساسيا هو عقد مؤتمر شعبي عام للجماهير العربية للمطالبة بوقف مصادرة الأراضي، وإصدار نداء إلى الرأي العام لحثه على معارضة المصادرة وتأييد المؤتمر الذي أقر عقده في هذا الاجتماع. وقع على هذا النداء آلاف المواطنين وعدد من الهيئات الشعبية والمجالس المحلية العربية، وأعقبته عشرات الاجتماعات الشعبية في مختلف القرى والمدن في الجليل والمثلث والنقب أكدت على أهمية وحدة الصف الكفاحية لمواجهة هذا المخطط العنصري.

كانت هذه الاجتماعات مقدمة لعقد المؤتمر الشعبي العام الذي قررته اللجنة التحضيرية، والذي عقد في مدينة الناصرة في الثامن عشر من تشرين الأول 1975 وشارك فيه الألوف، وكان أكبر مؤتمر شعبي في تاريخ الجماهير العربية في هذه البلاد.

اتخذ المؤتمر قرارا بإعلان الإضراب العام للجماهير العربية والتظاهر أمام الكنيست إذا لم تتراجع الحكومة الإسرائيلية عن مخططات المصادرة وتهويد الأراضي العربية. وانبثقت عن المؤتمر التاريخي "لجنة الدفاع عن الأراضي"، وانتخب القس شحادة شحادة رئيسا لها، وصليبا خميس سكرتيرا. بدأت اللجنة الاضطلاع بدورها الطليعي في توجيه معركة الدفاع عن الأراضي العربية وقيادة نضال الجماهير العربية في البلاد من أجل هذا الهدف الأهم في معركة البقاء في هذا الوطن. وبدأت في تلك المرحلة إقامة لجان الدفاع عن الأراضي المحلية في مختلف المدن والقرى العربية، والتي بدأت، هي الأخرى، تأخذ دورها المحلي في قيادة المعركة.

رأت لجنة الدفاع عن الأراضي أن السلطات الإسرائيلية لم تتجاوب مع مطالب الجماهير بوقف هذا المشروع السلطوي فدعت إلى اجتماع موسع في الناصرة في السادس من آذار 1976، كما دعت اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية إلى المشاركة في الاجتماع، الذي حضره عشرون رئيسا، وتقرر فيه إعلان الإضراب العام في الثلاثين من آذار 1976 استنكارا لسياسة مصادرة الأراضي العربية وللمطالبة بوقف سياسة التمييز العنصري تجاه أصحاب الأرض الأصليين.

كان هذا القرار تاريخيا معبرا عن إرادة الجماهير العربية في تصميمها على مقاومة الظلم مهما كلف الثمن. ولكن السلطات لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء القرار، بل أخذت تعمل على إفشاله بالسر والعلن. وبدأ متصرف لواء الشمال، "يسرائيل كنيغ"، المعروف بوثيقته العنصرية التي أعلنها في أوائل آذار 1976 وتتضمن خططه الجهنمية لضرب الجماهير العربية وشق وحدتها الكفاحية، يدعو الرؤساء العرب إلى مكتبه لتخويفهم وردعهم عن الموافقة على قرار الإضراب.

في الخامس والعشرين من آذار 1976 دعت السلطات لاجتماع واسع لجميع رؤساء السلطات المحلية العربية في مدينة شفاعمرو، وشارك فيه متصرف لواء الشمال، يسرائيل كنيغ، ومستشار رئيس الحكومة للشئون العربية، شموئيل طوليدانو، وضباط شرطة. كانت الغاية من هذا الاجتماع إكراه رؤساء السلطات المحلية على اتخاذ قرار بإلغاء الإضراب.

كنت حينذاك أعمل في فروع الشّبيبة في قطاعي البطوف وشفاعمرو، وكان من واجبي التواجد في اجتماع شفاعمرو، فسافرت بالباص، الذي كان يصل إلى الناصرة عن طريق شفاعمرو، وعندما اعتليت الباص وجدت فيه السيد محمد نمر حسين، رئيس مجلس دير حنا، الذي بادرني بالقول في شيء من المداعبة: "لوين يا توفيق بدكو توصلونا؟ ولا بدكو تحبسونا؟". فأجبته بمداعبة أيضا: "يا عمي أبو عزيز! أنت رئيس مجلس لا يستطيعون اعتقالك بل يعتقلون أمثالنا". وكان معه في الباص نائبه، مصطفى الحسن، الذي قال له: "إذا كنت تخاف يا أبو عزيز تنازل لي وأنا على استعداد للمجابهة في مثل هذه القضايا". سار بنا الباص إلى شفاعمرو حيث عقد الاجتماع الذي خططت له السلطة لاتخاذ قرار مغاير لقرار لجنة الدفاع عن الأراضي. وأرادوا خلال النقاش إجراء تصويت سري على اقتراح إلغاء قرار الإضراب، الذي كان قرار شعب يريد بأغلبيته المطلقة التصدي لمخططات السلطة ضد جماهير شعبنا. حاول الرؤساء المؤيدون لقرار الإضراب شرح الموقف بشكل عقلاني ومسئول، وكان حاضرا رئيس بلدية الناصرة الجديد توفيق زياد. وعندما رأى زياد عبثية النقاش مع بعض الرؤساء الذين يحاولون تمرير إرادة السلطة بإلغاء الإضراب تصدى لهم بجرأة ووقف معه عدد من الرؤساء الوطنيين، وقال: "إن الذي اتخذ قرار الإضراب ليس أنتم بل لجنة الدفاع عن الأراضي ولها وحدها الحق في اتخاذ القرار، والجماهير قررت الإضراب ولا توجد قوة تستطيع أن تثني هذه الجماهير عن قرارها".

كان من بين الرؤساء المشاركين، الذين وقفوا إلى جانب الرفيق توفيق زياد في موقفه الجريء، السيد حنا مويس، رئيس مجلس الرامة المحلي، الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، والسيد محمد محاميد، رئيس مجلس أم الفحم، والسيد محمود نعامنة، رئيس مجلس عرابة، والرفيق أسعد يوسف كنانة، رئيس مجلس يافة الناصرة، والسيد جمال طربيه، رئيس مجلس سخنين، والسيد أحمد مصالحة، رئيس مجلس دبورية، والسيد يونس نصار، رئيس مجلس طرعان، والرفيق حسن محمود خطبا، نائب رئيس مجلس محلي الرينة، والرفيق أمين عساقلة، عضو المجلس المحلي في المغار.

تصدى جميع هؤلاء بشجاعة للمؤامرة التي حاكتها السلطة، وعندما رأت السلطة وعملاؤها أن لعبتهم أصبحت مكشوفة ثارت ثائرتهم ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم.

احتشدت خارج مقر اجتماع الرؤساء قوات كبيرة من الشرطة وحرس الحدود، بالإضافة إلى حشد كبير من الناس، ولا سيما من الشباب. وكان يتقدم الشباب عدد من قادة فروع الشّبيبة الشيوعية في منطقة شفاعمرو، الذين استقبلوا الرؤساء المتخاذلين بالهتافات المستنكرة لمواقفهم الجبانة، وبهتافات التأييد للرؤساء الوطنيين الذين وقفوا الموقف الشجاع الذي عبر بشكل واضح عن إرادة الجماهير الشعبية.

هذا الموقف الوطني والشجاع، الذي أبداه الشباب ضد الموقف المتخاذل والجبان لبعض الرؤساء، جعل قوات الشرطة تعتدي عليهم بفظاظة، حيث استعملت الغاز المسيل للدموع والهراوات وقامت باعتقال عدد منهم، من بينهم قادة الشّبيبة الشّيوعية في شفاعمرو ومنطقتها. كل ذلك بهدف حماية الرؤساء المتخاذلين من غضب الجماهير ومحاولة إرهاب الجماهير ليتسنى للسلطة تنفيذ مخططاتها.

عززت هذه العملية المشينة، التي قامت بها السلطات وأجهزتها مساء الخامس والعشرين من آذار 1976، تصميم الجماهير العربية على تنفيذ الإضراب، ولذلك عُقدت اجتماعات شعبية في مختلف مناطق البلاد، كما عُقد مؤتمران شعبيان في كل من شفاعمرو وعين ماهل يوم السبت في السابع والعشرين من آذار 1976 تأييدا للإضراب. شاركت في مؤتمر شفاعمرو قرى طمرة وعبلين وكابول وشعب وسخنين وعرابة ودير حنا وتحدث فيه ممثلون عن جميع هذه القرى.

أما في عين ماهل فشارك في المؤتمر عدد من رؤساء المجالس المحلية، وتحدث فيه كل من رئيس مجلس عين ماهل، ورئيس مجلس كفركنا، ورئيس مجلس المشهد، بالإضافة إلى رئيس بلدية الناصرة، توفيق زياد، ومحامي الأرض، حنا نقارة.

أسهمت هذه الاجتماعات والمؤتمرات، التي تلت أحداث شفاعمرو، في إلهاب الجماهير ودفعها إلى المضي قدما في تحدي السلطة وأعوانها، ولا سيما في قرى مثلث يوم الأرض، سخنين وعرابة ودير حنا، التي يعتبر سكانها أصحاب القضية المركزيين والمعنيين بالمصادرة، ومما لا شك فيه أنه كان لهذه القرى الثلاث دور أساسي في إنجاح الإضراب ونجاح يوم الأرض الخالد.

كما ساهمت المعركة، التي خاضتها هذه القرى يومي التاسع والعشرين والثلاثين من آذار 1976، في نقل الوضع الملتهب إلى سائر القرى والمدن العربية، الأمر الذي ساهم كثيرا في إنجاح الإضراب.

بعد حوالي شهرين من أحداث يوم الأرض كنت من بين الذين استدعتهم الشرطة للتحقيق في مركز البوليس في مدينة عكا. وهناك استقبلني أحد الضباط المحققين العرب، الذي يعرفني جيدا ويعرف انتمائي السياسي، حيث كان يتردد على عرابة كثيرا. وعندما دخلت بدأت حديثي معه بالقول: "ماذا جرى لكي تستدعوا الناس للتحقيق في هذه الأيام"؟ فأجاب: "يا توفيق! كان هناك قرار باعتقال العشرات من الأشخاص، ولكن نتيجة للأجواء الساخنة تقرر العدول عن هذه الاعتقالات". فأجبته: "ولكن الجو في قرانا ما زال ساخنا، وربما تعاد الكرة من جديد لأن الخطر على أراضينا لا زال قائما، ولذلك لا بد من رد". فأجابني: "اجلس! أنا الذي دعوتك للتحقيق". فأجبته: "أي تحقيق؟ ما هي التهمة؟"، فقال: "التهمة الموجهة إليك هي تحريض الجمهور". قلت: "أي تحريض؟ أريد أن أسألك: إذا جاء شخص ليسطو على بيتك، أو ليحتل أرضك بالقوة، فهل تحتاج إلى من يحرضك لكي تدافع عن أرضك أو بيتك أم تبدأ على الفور بالصراخ والتصدي له؟ ولذلك أنا لا أعترف بهذه التهمة". فضحك وبدأ يسأل ويجيب لوحده بـ"لا" عن كل الأسئلة، ثم أغلق الملف وقال لي: الآن أريد أن أحدثك بصراحة. لقد قال لي أحد الأشخاص المحترمين في عرابة إن "سوسة البلاء" في هذه الأحداث في منطقتكم هم: عمر السعدي وتوفيق كناعنة وهذا أعرفه أنا أيضا". فقلت له: "كلام هذا (المحترم) غير دقيق لأن الجماهير التي تسلب أرضها ليست بحاجة إلى من يحرضها".

بعد عودتي أخبرت الرفيق إبراهيم شكري شمشوم بما حدث وذكرت له اسم الواشي، فدهش الرفيق، الذي كانت تربطه علاقات حميمة مع ذلك الشخص، وذهب إليه، هو والرفيق عمر السعدي، وصارحه بالحديث ففوجئ هو أيضا وقال للرفيق إبراهيم إنه كان يقصد من خلال حديثه هذا الدفاع عن الحزب!

كتب الكثير الكثير عن يوم الأرض كيوم تاريخي في حياة جماهير شعبنا. ومن المهم الرجوع إلى "الكتاب الأسود"، الذي صدر بعد أحداث يوم الأرض 1976، وإلى الكراس الذي أصدره مركز "مساواة" تحت عنوان "يوم الأرض: تاريخ ونضال ونصب تذكاري"، وإلى سلسلة المقالات التي نشرها الرفيق عمر سعدي عام 2006، ولا سيما ما يتعلق بأحداث التاسع والعشرين والثلاثين من آذار 1976 في عرابة، وكيف تصدى المواطنون لقوات الشرطة والجيش وحرس الحدود، وكيف استطاع شباب القرية احتجاز عدة جنود ودبابة بحيث لم يستطيعوا الخروج من القرية إلا بعد تدخل رئيس المجلس المحلي وأعضاء المجلس في عرابة، حيث ركبوا الدبابة مع الجنود حتى خرجوا من القرية وبعدها هدأ الوضع.

مهما يكتب عن هذا اليوم فإنه لن يفيه حقه، ولكنني أود التأكيد على وجود "جنود مجهولين" أسهموا إسهاما كبيرا في صنع يوم الأرض ولا يكثر الحديث عن دورهم، وأخص منهم رفاق الشّبيبة الشّيوعية في منطقة الناصرة، ولا سيما في قطاعي البطوف وشفاعمرو، الذين أسهموا إسهاما كبيرا في إنجاح هذا اليوم الخالد. وتجد اليوم كثيرين ممن لم يسهموا بشيء في هذا اليوم التاريخي ولكنهم يملؤون الأجواء صياحا عن دورهم و"بطولاتهم"، ومنهم من كان في متراس السلطة وتراه اليوم يركب حصان القومية.

لا شك في أن التطورات التي شهدتها سنوات السبعين الأولى من القرن الماضي، كقيام لجنة الرؤساء، ولجنة الطلاب الثانويين، ولجنة الطلاب الجامعيين، ولجنة الدفاع عن الأراضي، أسهمت في توحيد القوى الوطنية بين الجماهير العربية مما أعطاها الدافع القوي لمجابهة مخططات السلطة التي تهدف إلى سلب الأراضي العربية.

المؤتمر الثامن عشر للحزب الشّيوعي وإقامة الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة

شكل المؤتمر الثامن عشر للحزب الشّيوعي نقطة تحول هامة في حياة الحزب وفي مجال تطوره وتعاظم وزنه السياسي في هذه البلاد. يكتسب هذا المؤتمر الذي عقد في حيفا بين الخامس عشر والثامن عشر من كانون الأول 1976 أهمية تاريخية خاصة، حيث جاء بعد أحداث هامة أثرت بشكل إيجابي على تطور الأحداث في منطقتنا.

انعقد هذا المؤتمر بعد حرب أكتوبر وعبور الجيش المصري لقناة السويس، وبعد يوم الأرض الخالد، الذي صنعته الجماهير العربية في بلادنا، وبعد انتصار جبهة الناصرة الديمقراطية بقيادة القائد الشّيوعي، الرفيق توفيق زياد، وتسلمه رئاسة المدينة مع أكثرية مطلقة من أعضاء البلدية الجبهويين، في انتصار تاريخي لأهل الناصرة وإرادتهم الوطنية، وبعد النجاح الهام في إقامة الأطر الوحدوية لقيادة كفاح الجماهير العربية في البلاد، كلجنة الرؤساء، ولجنة الطلاب الثانويين العرب، ولجنة الطلاب الجامعيين العرب، ولجنة الدفاع عن الأراضي العربية. كل هذه العوامل مجتمعة أعطت دفعة جديدة لتفكير جديد في العمل المشترك الأوسع مع مختلف الأوساط الديمقراطية بين الشعبين اليهودي والعربي، الأمر الذي أفضى إلى اتساع حركة السلام واشتداد المعركة ضد الاحتلال ومن أجل تعزيز الديمقراطية وحقوق القوى المسحوقة لدى شعبي هذه البلاد. رأى الحزب هذا الواقع الجديد والمتغيرات السياسية والاجتماعية الحاصلة على الساحة العالمية والمنطقية، وعلى الساحة المحلية على وجه التحديد، فعمد إلى دراسة متأنية للواقع الذي نعيشه، ثم إلى رؤية عملية التطور هذه ودراستها بشكل أعمق من أجل تطوير الفكرة الهامة التي كان الحزب يطرحها في أغلب المؤتمرات ولم يتمكن من تحقيقها سابقا بسبب العراقيل التي كان يضعها الذين كان يتوجه إليهم بهدف التعاون والعمل المشترك.

أعاد هذا المؤتمر من جديد طرح فكرة إقامة جبهة واسعة ضد الحرب والعدوان ومن أجل السلام والديمقراطية. ورأى الحزب أن هذه الفكرة قد نضجت في ظل الظروف الجديدة التي نشأت عالميا ومنطقيا ومحليا. وهكذا برزت فكرة إقامة الجبهة، وتحولت إلى قضية مركزية في أبحاث المؤتمر التاريخي، الذي قرر الدعوة إقامة "جبهة سلام" واسعة تضم كل القوى المستعدة للتعاون والعمل المشترك من أجل تحقيق الأهداف المشتركة ووضع برنامج حد أدنى، بصرف النظر عن الانتماء القومي أو الموقف الأيديولوجي لكل حزب أو فئة.

كان هدف الحزب الأساسي مصلحة شعبي هذه البلاد والعمل على أن تسير إسرائيل في طريق السلام مع الشعوب العربية بشكل عام، ومع الشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص، ومن أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

لقد رأى الحزب أن العمل من أجل انتقال إسرائيل من سياسة الحرب والعدوان ضد الشعوب العربية إلى سياسة تفضي إلى سلام عادل ودائم في المنطقة يتيح لإسرائيل أن تكون دولة ديمقراطية لكل مواطنيها.

كما رأى الحزب أن النضال من أجل السلام العادل والدائم يجب أن يصحبه نضال مثابر من أجل الديمقراطية لكل مواطني إسرائيل يهودا وعربا.

تقرر حينذاك تقديم موعد الانتخابات للكنيست، فرأى الحزب أن من الأهمية إقامة جبهة سلام تخوض معركة الانتخابات التي ستجرى في السابع عشر من أيار 1977، وشرع يجري الاتصالات مع أطر سياسية يهودية وعربية مختلفة لإقامة تلك الجبهة. وبعد المؤتمر بأقل من شهر أجرت صحيفة الحزب الشّيوعي باللغة العبرية "زو هديرخ" مقابلة مع السكرتير العام، الرفيق ماير فلنر، ثم نُشرت في جريدة "الاتحاد" في الرابع عشر من كانون الثاني 1977، حول إمكانية خوض انتخابات الكنيست تحت اسم "جبهة السلام والديمقراطية". طرحت في المقابلة عدة أسئلة على الرفيق ماير فلنر، الذي أكد على بداية الاتصال بعناصر مختلفة قد تكون مستعدة للدخول في قائمة مشتركة مع الحزب الشّيوعي في الانتخابات المقبلة. وحول ما إذا كانت توجد صعوبات في هذا المجال أجاب فلنر: "لا صعوبات من جانبنا لأننا نتعامل بمسئولية تاريخية بشأن مصير الشعبين: شعب إسرائيل والشعب العربي الفلسطيني، ونطمح لحشد كل قوى السلام على الرغم من الفروق بيننا".

كان هذا أول حديث عن إمكانية إقامة الجبهة بعد المؤتمر الثامن عشر، ثم تلاحق عمل الحزب في هذا الاتجاه من أجل تحقيق الهدف. وكان من الطبيعي أن نرى في المنظمات اليسارية الفاعلة بين الجماهير اليهودية، التي تعمل من أجل مصالح القوى المسحوقة، ومن أجل السلام، حركات يمكن العمل معها، لا سيما وأنه تبلورت في تلك الفترة حركة احتجاجية بين الجماهير اليهودية من أصل شرقي، عرفت بمنظمة "الفهود السود". لم تكن حركة "الفهود السود" قد تبلورت فكريا، بل بدأت كحركة احتجاج في حي "المصرارة" في القدس ضد الضائقة التي يعيشها اليهود الشرقيون هناك. وفيما بعد تبلورت كحركة سياسية تأخذ دورها في الكفاح العام من أجل مصالح الجماهير اليهودية الشرقية المسحوقة. رأى الحزب إمكانية العمل مع هذه الحركة جنبا إلى جنب، وبدأ التواصل معها حتى استطاع التوصل إلى اتفاق معها، ومع حركات أخرى في الوسط اليهودي، كحركة "اليسار الاشتراكي الإسرائيلي"، وحركة "جبهة اليسار". وكان من الطبيعي أن يتوصل الحزب إلى اتفاق مع هذه القوى الناشطة في المجتمع اليهودي، فعقد أولا اتفاقا مع حركة "الفهود السود"، بعد أن أقروا في هيئاتهم توقيع الاتفاق للعمل المشترك مع الحزب الشّيوعي وخوض الانتخابات بشكل مشترك.

طرأ بعد أحداث يوم الأرض الخالد تطور إيجابي كبير بين الجماهير العربية باتجاه مقاومة سياسة حكام إسرائيل العنصرية والعدوانية، إذ فاز عدد كبير من أعضاء الحزب الشّيوعي وأصدقائه برئاسة سلطاتهم المحلية، وكانت لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية قد تبلورت وأخذت دورها الطبيعي في قيادة نضال السلطات المحلية العربية، الذي هو جزء هام من نضال الجماهير العربية. هكذا أيّد حوالي 20 رئيس سلطة محلية عربية الانضمام إلى "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، كما انضم الكثيرون إلى جبهة الناصرة الديمقراطية، التي كان قد مر على انتصارها أكثر من سنة، وإلى لجنة المبادرة العربية الدرزية، وإلى الجبهات المحلية في القرى العربية، كما انضمت إلى الجبهة شخصيات سياسية واجتماعية يهودية وعربية. وكانت جبهة عرابة الديمقراطية من أولى الجبهات التي أنجزت هذا المشروع. 

ولدت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، بمركباتها المختلفة، في آذار 1977، بعد سنة واحدة من أحداث يوم الأرض الخالد. وقد صدرت جريدة "الاتحاد" في الرابع من آذار 1977، بافتتاحية بعنوان "مولود جديد حمل به وحلم به الشعبان عبر أقسى تجربة". وجاء فيها: "في رحاب الحزب الشّيوعي الإسرائيلي، حزب الطبقة العاملة الثوري، تعانق الشقيقان: الجماهير العربية المظلومة والمحرومة في إسرائيل، وجماهير اليهود الشرقيين المظلومة والمنبوذة في إسرائيل. الجدولان الكريمان يلتقيان في النهر ذي المجرى الرحب والمندفع لا محالة نحو دلتا (مثلث) الخصب الإنساني: سلام الشعوب والمساواة بين الشعوب وأخوة الشعوب".

وأضافت "الاتحاد" في افتتاحيتها: "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي نادى بها المؤتمر الـ 18 لحزبنا الشّيوعي الإسرائيلي في الوقت المناسب، بعد أن حمل وحلم بها خيرة أبناء الشعبين عبر أقسى آلام المخاض، تخرج إلى النور لحما ودما وذراعين يعانقان المستقبل كله".

وجاء في نهاية الافتتاحية: "قد تنجح الرجعية الحاكمة في إحداث تراجعات هنا وهناك ولكن هذا المولود الجديد، جبهة السلام والمساواة اليهودية العربية، قد رأى النور وخرج إلى الحياة فعلا".

كان لهذا التفاؤل الكبير ما يبرره في تلك المرحلة التي كانت مليئة بالأحداث التي تجري في مصلحة السلام والتقدم في عالمنا.

شعر جيل المؤسسين، الذين عبدوا الطريق، بارتياح كبير بتحقيق هذا الإنجاز الهام، وهكذا شعرنا نحن الجيل الثاني، الذي بدأ السير في طريق الحزب الشّيوعي منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي. شعرنا بالسعادة وأنه قد تحقق شيء هام من حلمنا، ورأينا في إقامة هذا الإطار اليهودي العربي، وهذا الزخم من المؤيدين من كلا الشعبين، ولا سيما التأييد الواسع من عدة شخصيات جماهيرية، ورؤساء سلطات محلية، وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية، مكسبا هاما لوحدة الجماهير العربية في هذه البلاد. ولذلك لم يكن صدفة أن تصدر "الاتحاد" في الثامن من آذار 1977 بعنوان "فجر جديد في بلادنا يطلع على شعبي البلاد"، تعبيرا عن التفاؤل الكبير بهذا الإنجاز.

انطلاقا من هذا الارتياح والتفاؤل خاضت الجبهة، جبهة السلام والمساواة، معركة الانتخابات للكنيست التاسعة. وبرز خلال هذه المعركة الحماس الكبير بين أعضاء الحزب الشّيوعي وأعضاء الجبهة وكل الحلفاء الجدد الذين أسهموا في إقامة الجبهة. وللحقيقة والتاريخ أنه تحقق في هذه الانتخابات إنجاز كبير بالنسبة للجماهير العربية عامة، التي استطاعت، ولأول مرة، التخلص من وصاية الأحزاب الصهيونية والقوائم العربية المرتبطة بحزب "العمل"، إذ بقيت هذه الأحزاب ممثلة بعضو واحد فقط، بعد أن كانت ممثلة بخمسة أعضاء.