يوم الأرض الخالد
في أكثر الأحيان عندما تكون مجابهات من جماهيرنا ضد الاضطهاد العنصري أو سلب حقوقنا تشارك النساء مشاركة فعلية وجدية، ولكن للأسف الشديد انها لا تذكر وكأنها لم تكن موجودة في هذه المعارك التي يكون لها قسطاً كبيراً من المجابهة والمشاركة ومن حقنا على التاريخ ان تذكر مواقف النساء المشرفة والتي لها تأثير على مجتمعنا خصوصاً على النساء لتشجيعهن أكثر ولدفعهن لكل المعارك التي يخوضها جماهيرنا العربية.
لقد كانت مشاركة النساء في الدفاع عن الأرض ضد سلبها بارزة ولم تكن فقط في نفس يوم الأرض لقد شاركنا في كل المؤتمرات التي كانت تعلن عنها لجنة الدفاع عن الاراضي ولقد شاركت انا في الاجتماع الموسع الذي عقد في 1975/8/15 في قاعة فندق غراندنيو ومنه جندنا حركة النساء الديمقراطيات لتنفيذ قرارات هذا الاجتماع والتي كان منها عقد مؤتمر شعبي وفيه أصدرت اللجنة نداء الجمع التواقيع شاركنا بجمع التواقيع عليه تأييداً وحثاً للنساء للنضال ضد مصادرة الأراضي ودعوة للمؤتمر الشعبي وهكذا شاركنا أيضاً في المؤتمر الشعبي العام الذي عقد في الناصرة بتاريخ 1975/10/18.
وبعد هذا المؤتمر تبنت لجنة نساء الناصرة التي اقمناها للسنة الدولية للمرأة بعقد الاجتماعات في الأحياء للشرح عن أهمية الارض للمرأة لأن الأرض هي البيت والبقاء وهي من البنود الأساسية في ميثاق حقوق المرأة.
وقد كان أحد شعاراتنا الأساسية التي رفعناها في سنة 1975 و 1976 في يوم المرأة الثامن من آذار الارض والمسكن وكانت اجتماعات النساء لهذه المناسبات في كل القرى والمدن تتضمن أهمية تلبية دعوة اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض، لذلك لم يكن من الصدف ان تقف المرأة هذه الوقفة الجريئة والشجاعة في يوم الأرض الخالد.
لقد كانت النساء تترقب القرار الذي كانت لجنة الدفاع عن الأراضي والذي دعت فيه لأخذ القرار النهائي في 1976/3/6 وكان قد شارك في هذا الاجتماع عشرين (20) رئيساً من السلطات المحلية العربية وفي هذا الاجتماع تقرر القرار التاريخي بأن يكون الاضراب العام بتاريخ 1976/3/30 والذي يدعو لوقف مصادرة الاراضي ووقف سياسة التمييز العنصري اتجاه الجماهير العربية اصحاب الأراضي.
ولما سمعت النساء هذا القرار اشتدت عزيمتهن وبدأن بتحفيز النساء للاشتراك في هذه المعارك كذلك بدأت أنا أيضاً بعقد الاجتماعات النسائية في قرى المثلث يوم الأرض دير حنا - عرابه وسخنين وبعقد الحلقات وكانت قائدات هذه الاجتماعات والنشاط في هذه القرى فاطمة دغش وأم اكرم سليمان بهية من دير حنا وشفيقة نعامنة وسلوى كناعنة ووفيقة السعدي وجميلة السعدي من عرابة ومن سخنين كانت صبحية أبو يونس وهدى ابو يونس وسلوى ابو ريا كذلك كنت اسافر إلى المثلث للشرح عن القرار بالإضراب وفي عدد من القرى أقمن المظاهرات ففي أحد الأيام قبل يوم الأرض كان قرار نساء دير حنا أن يعقد اجتماع احتجاجى وكن قد دعونني للتحدث فى هذا الاجتماع ولما وصلت دير حنا لم يكن اجتماع بل كانت النساء قد تجمعن في ساحة القرية وكانت تقود هذا التجمع الدار دغش وام اكرم حسين سليمان قائدات في حركة النساء الديمقراطيات في القرية وكن ينتظرني ولما وصلت قالوا لي أننا نريد ان نسير في مظاهرة وهكذا كان سرنا في مظاهرة حاشدة من النساء من ساحة التي إلى مقر الحزب الشيوعي في دير حنا وهناك دخلنا إلى المقر حيث استقبلنا رفاق الحزب من القرية وكان اجتماعاً صاخباً.
هكذا كان الحماس في كل القرى الأخرى لا سيما قرى المثلث خصوصاً بعد أن بدار السلطات تسعى بكل قوتها لإفشال الإضراب. فكانت النساء في طمرة وشفاعمرو بقيادة فتحيه شاهين التي هي فتحية صغير شابة صغيرة شجاعة وعلى اعلى مستوى من الوعي والنشاط تشارك وتشجع النساء لحضور الاجتماعات وكان معها أيضاً من النساء الشابات رحيبة دياب وسميه ابو الهيجا وفاطمة شاهين كن يحضرن للاجتماعات ويعبئن نفسيتهن للوقوف إلى جانب قرارات لجنة الدفاع عن الأرم خصوصاً بتنفيذ قرار الإضراب في 1976/3/30.
لقد كانت النساء معبأة ومستعدة للوقوف مع الاضراب في كل القرى العربية خصوصاً محاولة فشل السلطات في منع الاضراب ونجح قرار الشعب والرفاق رؤساء السلطات المحلية والبلدير العربية وعلى رأسهم الرفيق توفيق زياد بأن هذه إرادة الشعب. فكانت فعلاً ارادة الشعب كله برجل وشبابه ونسائه وشاباته الكل مستعد لمعركة الارض الكل مستعد لمعركة البقاء.
في الواقع لم يبدأ الاضراب في 1976/3/30 بل بدأت السلطات الحكومية تعبئ القرى المير بجيوشها وبدأت تعتقل القيادات وتستفز المواطنين ظانه انهم سيخافون ويرتدعوا عن قرارهم.
ولكن الشعب كان مستعداً ففي يوم 1976/3/29 حشدت السلطات جيوشها في وسخنين ودير حنا وجعلتها ساحة حرب وبدأت باستفزاز الجماهير الثائرة، اعتقلت القيادة ولما دافعت جماهير عرابه عن كرامتها استعملت هذه الجيوش الرابضة في اراضي عرابه سلاحها وقتلت أول شاب منها وهو خير ياسين ليكون اول شهيد بيوم الأرض ولم يرتدع المواطنون، بل ثارت حميتهم واستمروا بطرد هذه الجيوش بمعركة الحجارة لطرد الجيوش الرابضة في ارض عرابه.
لم يصل الخبر خبر استشهاد خير ياسين بسرعة إلى الناصرة أو إلى القرى الاخرى ولأنه كان شبه منع تحول في هذه القرى وكان رفاق الناصرة ينتظرون الاخبار عن مسيرة الاضراب، كنت حينها في هذا اليوم في مكتب الحزب بالناصرة ننتظر الاخبار ولكن حتى ساعات العصر 1976/3/29 لم يصل ولا خير وكان الرفيق اميل حبيبي في مكتب الحزب في غرفة الاتحاد وكنت أيضاً مع بعض الرفاق ننتظر لتلقي الاخبار ولكن لصعوبة الوضع لم يصل ولا اي خبر وبما ان رفاقنا بالناصرة ارادوا ان يعرفوا كيف تجري امور الاضراب قال الرفيق اميل حبيبي ليت من يستطيع الوصول إلى عرابه لمعرفة الاوضاع أجبته حالاً إنني على استعداد وكان أيضاً في تلك الساعة الرفيق محمود سليمان أيضاً في الغرفة فقال للرفيق محمود وأنا على استعداد أن أرافق الرفيقة سميرة وهكذا كان ذهبنا في سيارتي ولا بد ان اقول ان الاجواء منذ ان تركنا دار الحزب ووصلنا إلى الشارع المؤدي إلى طريق شفاعمرو اي إلى حي الصفافره وهناك قرب دار الشرطة في القشله كانت علائم الاضراب بادية إذ أن الجيش بسياراته رابط هناك بإعداده الضخمة وفي كل الطريق ترى الجيش كل بضعة كيلو مترات حتى وصلنا طريق شفاعمرو وكذلك الأمر حتى وصلنا إلى سخنين وفي مدخل البلد في إحدى الزوايا فرقة نساء تنزوي في أحد الزقاقات مستعدة لكل لحظة يكون فيها أي اعتداء على البلد.
عرفتهن لأنهن كن من النساء اللواتي يواظبن على اجتماعات حركة النساء في القرية. سألتهن عما هو الوضع فأشرن لي أن استمر في طريقي، ولكنهن لم يكن يعرفن بالضبط من قتل، ولكنهن قلن لي قتل شخص في عرابه.
استمريت في طريقي حتى وصلنا إلى عرابه فكان وجوم الجيش يملأ شوارع عرابه وصلنا إلى بقعة قريبة من مدخل القرية وهناك تحت شجرة زيتون تجمع عدد من النساء اللواتي أعرفهن وكان بعض الرفاق أيضاً لما رأونا قادمين جاءوا وبسرعة إلى ناحيتنا وقالوا لنا كيف جئتم بهذا الوضع قلنا لهم ان رفاقنا بالناصرة يريدون الاطمئنان عليكم كيف الوضع أجابونا بسرعه انه قتل رفيق خير ياسين والوضع متأزم والجيش يقتل رفاق. اذهبوا وأبلغوا الرفاق بالوضع عندئذ وبسرعة فائقة عدنا لتبلغ رفاقنا حتى يأخذوا الحيطة من الاعتقال لما وصلنا وجدنا الرفيق اميل حبيبي ينتظر على أحر من الجمر ولما عرف ان هناك اعتقالات وقتل أحد الرفاق أبلغ الرفاق الذين عليهم قيادة الإضراب بأن لا يناموا تلك الليلة في بيوتهم حتى يتمكنوا من انجاح عملهم وقيادة الاضراب أيضاً في الناصرة وفي كل مكان.
لم تتم الناس اذ ان الاضراب بدأ يوم 1976/3/29 خصوصاً في مثلث يوم الأرض، لقد سهروا رجالاً ونساء وأطفالاً دفاعاً عن ارضهم وبدأت المعارك من الصباح الباكر يوم 1976/3/30. بدأت المعارك بالحجارة مقابل الرصاص لطرد الجيوش التي جاءت لتسرق كرامتهم وتسطي على ارضهم وبقائهم في هذه الديار كانت المعارك في كل مكان من الجليل الأعلى والجليل الأوسط وفي كفر كنا والناصرة وقرى المثلث في الطبيبة والطيرة وقلنسوة، فكان الشباب في كل مكان سلاحهم الحجارة مقابل رصاص ولم تختبئ النساء بل خرجت إلى الشارع تراجد وترجم الجنود مثلها مثل الرجال والشباب، تناول الحجارة وقطع البصل لجنود الحجارة وفي سخنين ابدعت النساء في إحدى الشوارع ففي زاوية أحد البيوت حيث تجمع عدد من النساء إذ صادف أن هاجمتهن دبابة وكن يرجمن الجنود التي فيها فقد صادف ان ركض الجنود وراء عدد من الشباب وبقي جندي إلى جانب سيارة الجيش فقامت النساء بتطويق السيارة وانزلن الجندي منها وربطنه على عامود كهرباء اي انهن اعتقلنه ولم يرضين في تحريره وفي أثناء هذه العملية كانت النساء تراجد وترجم الجيوش وعندها صوب الجنود الرصاص عليهن. أستشهدت خديجة شواهنه لتكون أول امرأة تستشهد دفاعاً عن الأرض وكان أيضاً في تلك المعركة بطلات اخريات فاطمة خليل - خديجة شواهنه - هدى ابو يونس (ام ثابت) صبحية ابو يونس ولم يقبلن فكه من العامود إلا بعد ان تدخل رئيس المجلس هو وسيارة الجيش، كانت المعارك حامية الوطيس في كل القرى وقد استشهد أيضاً في هذا اليوم عدا خير ياسين من عرابه، خضر عبد الله خلايله من سخنين ورجا ابو ريا من سخنين - محسن حسن طه من كفر كنا - رأفت علي زهيري من نور شمس الذي استشهد في الطيبه وباستشهاد خديجة شواهنه تكون قد سطرت بدمائها تاريخ نضال المرأة من أجل الارض والبقاء وقد كانت شهيدة أخرى في ذكرى الارض 1999 وهي شيخه أو صالح.




